فهرس الكتاب

الصفحة 1228 من 4997

ولا بد من جزاء للمؤمنين من اللّه،الذي يتعاملون معه وحده يشجع ويقوي على النهوض بتكاليف القوامة وعلى الوفاء بالميثاق.ولا بد أن يختلف مصير الذين كفروا وكذبوا عن مصير الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند اللّه: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ.لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ.وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ» ..

إنه الجزاء الذي يعوض الخيرين عما يفوتهم من عرض الحياة الدنيا - وهم ينهضون بالتكاليف العليا - والذي تصغر معه تكاليف القوامة على أهواء البشرية وعنادها ولجاجها في هذه الأرض ..ثم هو العدل الإلهي الذي لا يسوي بين جزاء الخيرين وجزاء الأشرار!

ولا بد من تعليق قلوب المؤمنين وأنظارهم بهذا العدل وبذلك الجزاء.لتتعامل مع اللّه متجردة من كل النوازع المعوقة من ملابسات الحياة ..وبعض القلوب يكفيها أن تشعر برضاء اللّه وتتذوق حلاوة هذا الرضى كما تتذوق حلاوة الوفاء بالميثاق ..ولكن المنهج يتعامل مع الناس جميعا.مع الطبيعة البشرية.واللّه يعلم من هذه الطبيعة حاجتها إلى هذا الوعد بالمغفرة والأجر العظيم.وحاجتها كذلك إلى معرفة جزاء الكافرين المكذبين! إن هذا وذلك يرضي هذه الطبيعة.يطمئنها على مصيرها وجزائها ويشفي غيظها من أفاعيل الشريرين! وبخاصة إذا كانت مأمورة بالعدل مع من تكره من هؤلاء! بعد أن تلقى منهم ما تلقى من الكيد والإيذاء ..والمنهج الرباني يأخذ الطبيعة البشرية بما يعلمه اللّه من أمرها ويهتف لها بما تتفتح له مشاعرها،وتستجيب له كينونتها ..ذلك فوق أن المغفرة والأجر العظيم دليل رضى اللّه الكريم وفيهما مذاق الرضى فوق مذاق النعيم.

ويمضي السياق يقوّي في الجماعة المسلمة روح العدل والقسط والسماحة ويكفكف فيها شعور العدوان والميل والانتقام ..فيذكر المسلمين نعمة اللّه عليهم في كف المشركين عنهم،حين هموا في عام الحديبية - أو في غيره - أن يبسطوا إليهم أيديهم بالعدوان: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ.إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ،فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ.وَاتَّقُوا اللَّهَ.وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» ..

وتختلف الروايات في من تعنيهم هذه الآية.ولكن الأرجح أنها إشارة إلى حادثة المجموعة التي همت يوم الحديبية أن تغدر برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وبالمسلمين،فتأخذهم على غرة.فأوقعهم اللّه أسارى في أيدي المسلمين (كما فصلنا ذلك في تفسير سورة الفتح) [1] .

(1) - يراجع جزء 26 من الظلال. ( السيد رحمه الله )

قلت:قال أبو جعفر:وأولى الأقوال بالصحة في تأويل ذلك، قولُ من قال:عنى الله بالنعمة التي ذكر في هذه الآية، نعمتَه على المؤمنين به وبرسوله التي أنعم بها عليهم في استنقاذه نبيّهم محمدا - صلى الله عليه وسلم - مما كانت يهود بني النضير همت به من قتله وقتل من معه يومَ سار إليهم نبيّ الله - صلى الله عليه وسلم - في الدية التي كان تحمَّلها عن قتيلي عمرو بن أمية.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة في تأويل ذلك لأن الله جل ثناؤه عقًّب ذكر ذلك برمي اليهود بصنائعها وقبيح أفعالها، وخيانتها ربَّها وأنبياءها.ثم أمر نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - بالعفو عنهم، والصفح عن عظيم جهلهم، فكان معلوما بذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يؤمر بالعفو عنهم والصفح عَقِيب قوله:"إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم"وغيرُهم كان يبسط الأيدي إليهم.لأنه لو كان الذين همُّوا ببسط الأيدي إليهم غيرَهم لكان حريًّا أن يكون الأمر بالعفو والصفح عنهم، لا عمَّن لم يجر لهم بذلك ذكر= ولكان الوصف بالخيانة في وصفهم في هذا الموضع،لا في وصف من لم يجر لخيانته ذكر، ففي ذلك ما ينبئ عن صحة ما قضينا له بالصحة من التأويلات في ذلك، دون ما خالفه."تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة - (10 / 107) وانظر تفسير ابن كثير - دار طيبة - (3 / 63) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت