فهرس الكتاب
لا تجده البشرية - ولم تجده يوما - إلا في هذا الدين وإلا في منهجه ونظامه وشريعته،ومجتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته.
حقا إن اللّه يهدي بهذا الدين الذي رضيه،من يتبع رضوان اللّه، «سبل السلام» ..سبل السلام كلها في هذه الجوانب جميعها ..ولا يدرك عمق هذه الحقيقة كما يدركها من ذاق سبل الحرب في الجاهليات القديمة أو الحديثة ..ولا يدرك عمق هذه الحقيقة كما يدركها من ذاق حرب القلق الناشئ من عقائد الجاهلية في أعماق الضمير.وحرب القلق الناشئ من شرائع الجاهلية وأنظمتها وتخبطها في أوضاع الحياة.
وقد كان المخاطبون بهذه الكلمات أول مرة يعرفون من تجربتهم في الجاهلية معنى هذا السلام.إذ كانوا يذوقونه مذاقا شخصيا ويلتذون هذا المذاق المريح ..
وما أحوجنا نحن الآن أن ندرك هذه الحقيقة والجاهلية من حولنا ومن بيننا تذيق البشرية الويلات ..من كل ألوان الحرب في الضمائر والمجتمعات قرونا بعد قرون! ما أحوجنا نحن الذين عشنا في هذا السلام فترة من تاريخنا ثم خرجنا من السلام إلى الحرب التي تحطم أرواحنا وقلوبنا،وتحطم أخلاقنا وسلوكنا،وتحطم مجتمعاتنا وشعوبنا ..بينما نملك الدخول في السلم التي منحها اللّه لنا حين نتبع رضوانه ونرضى لأنفسنا ما رضيه اللّه لنا! إننا نعاني من ويلات الجاهلية والإسلام منا قريب.ونعاني من حرب الجاهلية وسلام الإسلام في متناول أيدينا لو نشاء ..فأية صفقة خاسرة هذه التي نستبدل فيها الذي هو أدني بالذي هو خير؟ ونشتري فيها الضلالة بالهدى؟ ونؤثر فيها الحرب على السلام؟
إننا نملك إنقاذ البشرية من ويلات الجاهلية وحربها المشبوبة في شتى الصور والألوان.ولكننا لا نملك إنقاذ البشرية،قبل أن ننقذ نحن أنفسنا،وقبل أن نفيء إلى ظلال السلام،حين نفيء إلى رضوان اللّه ونتبع ما ارتضاه.فنكون من هؤلاء الذين يقول اللّه عنهم إنه يهديهم سبل السلام [1] .
«وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ» ..والجاهلية كلها ظلمات ..ظلمة الشبهات والخرافات والأساطير والتصورات.وظلمة الشهوات والنزعات والاندفاعات في التيه.وظلمة الحيرة والقلق والانقطاع عن الهدى والوحشة من الجناب الآمن المأنوس.وظلمة اضطراب القيم وتخلخل الأحكام والقيم والموازين.والنور هو النور ..هو ذلك النور الذي تحدثنا عنه آنفا في الضمير وفي العقل وفي الكيان وفي الحياة وفي الأمور ..
«وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ..مستقيم مع فطرة النفس ونواميسها التي تحكمها.مستقيم مع فطرة الكون ونواميسه التي تصرفه.مستقيم إلى اللّه لا يلتوي ولا تلتبس فيه الحقائق والاتجاهات والغايات ..
(1) - يراجع بتوسع في معنى السلام الذي يهدي إليه اللّه من اتبع رضوانه ..كتاب: «السلام العالمي والإسلام» وكتاب: «الإسلام ومشكلات الحضارة» وفي الظلال تفسير قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة» ص 206 - ص 212 من الجزء الثاني. ( السيد رحمه الله )