فهرس الكتاب
للجماعة المسلمة،لتعرف من هم أعداؤها.ما طبيعتهم؟ وما تاريخهم؟ وما وسائلهم؟ وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم؟
ولقد علم اللّه أنهم هم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله كما كانوا أعداء هدى اللّه في ماضيهم كله.فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفا ووسائلهم كلها مكشوفة.ومن جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أصحاب آخر دين قبل دين اللّه الأخير.وقد امتد تاريخهم قبل الإسلام فترة من التاريخ طويلة ووقعت الانحرافات في عقيدتهم ووقع منهم النقض المتكرر لميثاق اللّه معهم ووقع في حياتهم آثار هذا النقض وهذا الانحراف،كما وقع في أخلاقهم وتقاليدهم ..فاقتضى هذا أن تلم الأمة المسلمة - وهي وارثة الرسالات كلها وحاضنة العقيدة الربانية بجملتها - بتاريخ القوم،وتقلبات هذا التاريخ وتعرف مزالق الطريق،وعواقبها ممثلة في حياة بني إسرائيل وأخلاقهم،لتضم هذه التجربة في حقل العقيدة والحياة - إلى حصيلة تجاربها وتنتفع بهذا الرصيد وتنفع على مدار القرون.ولتتقي - بصفة خاصة - مزالق الطريق،ومداخل الشيطان،وبوادر الانحراف،على هدى التجارب الأولى.
ومن جوانب هذه الحكمة أن تجربة بني إسرائيل ذات صحائف شتى في المدى الطويل.وقد علم اللّه أن الأمد حين يطول على الأمم تقسو قلوبها وتنحرف أجيال منها وأن الأمة المسلمة التي سيمتد تاريخها حتى تقوم الساعة،ستصادفها فترات تمثل فيها فترات من حياة بني إسرائيل فجعل أمام أئمة هذه الأمة وقادتها ومجددي الدعوة في أجيالها الكثيرة،نماذج من العقابيل التي تلم بالأمم يعرفون منها كيف يعالجون الداء بعد معرفة طبيعته.ذلك أن أشد القلوب استعصاء على الهدى والاستقامة هي القلوب التي عرفت ثم انحرفت! فالقلوب الغفل الخامة أقرب إلى الاستجابة،لأنها تفاجأ من الدعوة بجديد يهزها،وينفض عنها الركام،لجدته عليها،وانبهارها بهذا الجديد الذي يطرق فطرتها لأول مرة.فأما القلوب التي نوديت من قبل،فالنداء الثاني لا تكون له جدته،ولا تكون له هزته ولا يقع فيها الإحساس بضخامته وجديته،ومن ثم تحتاج إلى الجهد المضاعف،وإلى الصبر الطويل! وجوانب شتى لحكمة اللّه في تفصيل قصة بني إسرائيل،وعرضها مفصلة على الأمة المسلمة وارثة العقيدة والدين القوامة على البشر أجمعين ..جوانب شتى لا نملك هنا المضي معها أكثر من هذه الإشارات السريعة ..
لنعود إلى هذه الحلقة،في هذا الدرس،في هذه السورة: «وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ.إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ،وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ.يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ» ..
وإننا لنلمح في كلمات موسى - عليه السلام - إشفاقه من تردد القوم ونكوصهم على الأعقاب.فلقد جربهم من قبل في «مواطن كثيرة» في خط سير الرحلة الطويل ..جربهم وقد أخرجهم من أرض مصر وحررهم من الذل والهوان،باسم اللّه وبسلطان اللّه الذي فرق لهم البحر،وأغرق لهم فرعون وجنده.فإذا هم يمرون على قوم يعكفون على أصنام لهم،فيقولون «يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ