فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 4997

وهذا هو موقفنا من نتاج الفكر - غير الإسلامي - بجملته - فيما عدا العلوم المادية البحتة وتطبيقاتها العملية مما قصده رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم» [1] .فإنه ما ينبغي قط لمسلم

(1) - عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ « لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ » . قَالَ فَخَرَجَ شِيصًا فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ « مَا لِنَخْلِكُمْ » . قَالُوا قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ « أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ » . صحيح مسلم- المكنز [15 /410] (6277 ) -الشيص:التمر الذى لم يتم نضجه وعَنْ أَنَسٍ قَالَ:سَمِعَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَصْوَاتًا فَقَالَ:مَا هَذَا ؟ قَالُوا:يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ،فَقَالَ:لَوْ تَرَكُوهُ فَلَمْ يُلَقِّحُوهُ لَصَلُحَ فَتَرَكُوهُ فَلَمْ يُلَقِّحُوهُ،فَخَرَجَ شِيصًا،فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: مَا لَكُمْ ؟ قَالُوا:تَرَكُوهُ لِمَا قُلْتَ،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ،فَإِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ.مسند أحمد (عالم الكتب) [4 /392] (12544) 12572- صحيح

إنما قال النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ هذا ؛ لأنه لم يكن عنده علم باستمرار هذه العادة،فإنَّه لم يكن ممن عانى الزراعة،ولا الفلاحة،ولا باشر شيئًا من ذلك،فخفيت عليه تلك الحالة،وتمسك بالقاعدة الكلية المعلومة التي هي:أنه ليس في الوجود ولا في الإمكان فاعل،ولا خالق،ولا مؤثر إلا الله تعالى،فإذا نسب شيء إلى غيره نسبة التأثير فتلك النسبة مجازية عرفيَّة لا حقيقيَّة،فصدق قوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: (( ما أظن ذلك يغني شيئًا ) )؛ لأن الذي يغني في الأشياء عن الأشياء بالحقيقة هو الله تعالى،غير أن الله تعالى قد أجرى عادته بأن ستر تأثير قدرته في بعض الأشياء بأسباب معتادة،فجعلها مقارنة لها،ومغطاة به ليؤمن من سبقت له السعادة بالغيب،وليضل من سبقت له الشقاوة بالجهل،والرَّيب: { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة } .

وقوله: (( إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظن ) )،وقوله في الأخرى: (( إنما أنا لبشر ) )؛ هذا كله منه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ اعتذار لمن ضعف عقله مخافة أن يزله الشيطان فيكذب النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فيكفر،وإلا فما جرى شيء يحتاج فيه إلى عذر،غاية ما جرى:مصلحة دنيوية،خاصَّة بقوم مخصوصين لم يعرفها من لم يباشرها،ولا كان من أهلها المباشرين لعملها،وأوضح ما في هذه الألفاط المعتذر بها في هذه القصة قوله: (( أنتم أعلم بأمر دنياكم ) )،وكأنه قال:وأنا أعلم بأمر دينكم .المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم [19 /85]

قلت:ولا حجة فيه لمن يفرق بين أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - التشريعية والطبية أو الدنيوية أبدا فكله تشريع وحق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت