وهو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا،لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ » [1] .
وكل ما نستطيع أن نقوله هو أن الحادث وقع في فترة طفولة الإنسان،وأنه كان أول حادث قتل عدواني متعمد،وأن الفاعل لم يكن يعرف طريقة دفن الجثث ..
وبقاء القصة مجملة - كما وردت في سياقها القرآني - يؤدي الغرض من عرضها ويؤدي الإيحاءات كاملة ولا تضيف التفصيلات شيئا إلى هذه الأهداف الأساسية ..لذلك نقف نحن عند النص العام لا نخصصه ولا نفصله ..
«وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ - بِالْحَقِّ - إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا،فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ.قالَ:لَأَقْتُلَنَّكَ.قالَ:إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» ..
واتل عليهم نبأ هذين النموذجين من نماذج البشرية - بعد ما تلوت من قصة بني إسرائيل مع موسى - اتله عليهم بالحق.فهو حق وصدق في روايته،وهو ينبىء عن حق في الفطرة البشرية وهو يحمل الحق في ضرورة الشريعة العادلة الرادعة.
إن ابني آدم هذين في موقف لا يثور فيه خاطر الاعتداء في نفس طيبة.فهما في موقف طاعة بين يدي اللّه.موقف تقديم قربان،يتقربان به إلى اللّه: «إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا» ..
«فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما،وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ» ..والفعل مبني للمجهول ليشير بناؤه هكذا إلى أن أمر القبول أو عدمه موكول إلى قوة غيبية وإلى كيفية غيبية ..وهذه الصياغة تفيدنا أمرين:الأول ألا نبحث نحن عن كيفية هذا التقبل ولا نخوض فيه كما خاضت كتب التفسير في روايات نرجح أنها مأخوذة عن أساطير «العهد القديم» ..والثاني الإيحاء بأن الذي قبل قربانه لا جريرة له توجب الحفيظة عليه وتبييت قتله،فالأمر لم يكن له يد فيه وإنما تولته قوة غيبية بكيفية غيبية تعلو على إدراك كليهما وعلى مشيئته ..فما كان هناك مبرر ليحنق الأخ على أخيه،وليجيش خاطر القتل في نفسه! فخاطر القتل هو أبعد ما يرد على النفس المستقيمة في هذا المجال ..مجال العبادة والتقرب،ومجال القدرة الغيبية الخفية التي لا دخل لإرادة أخيه في مجالها .. «قالَ:لَأَقْتُلَنَّكَ» ..وهكذا يبدو هذا القول - بهذا التأكيد المنبئ عن الإصرار - نابيا مثيرا للاستنكار لأنه ينبعث من غير موجب اللهم إلا ذلك الشعور الخبيث المنكر.شعور الحسد الأعمى الذي لا يعمر نفسا طيبة ..وهكذا نجدنا منذ اللحظة الأولى ضد الاعتداء:بإيحاء الآية التي لم تكمل من السياق ..ولكن السياق يمضي يزيد هذا الاعتداء نكارة وبشاعة بتصوير استجابة النموذج الآخر ووداعته وطيبة قلبه: «قالَ:إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» .هكذا في براءة
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (3335 )