فهرس الكتاب
«وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» ..بهذا الحسم الصارم الجازم.وبهذا التعميم الذي تحمله «من» الشرطية وجملة الجواب.بحيث يخرج من حدود الملابسة والزمان والمكان،وينطلق حكما عاما،على كل من لم يحكم بما أنزل اللّه،في أي جيل،ومن أي قبيل ..
والعلة هي التي أسلفنا ..هي أن الذي لا يحكم بما أنزل اللّه،إنما يرفض ألوهية اللّه.فالألوهية من خصائصها ومن مقتضاها الحاكمية التشريعية.ومن يحكم بغير ما أنزل اللّه،يرفض ألوهية اللّه وخصائصها في جانب،ويدعي لنفسه هو حق الألوهية وخصائصها في جانب آخر ..وماذا يكون الكفر إن لم يكن هو هذا وذاك؟
وما قيمة دعوى الإيمان أو الإسلام باللسان،والعمل - وهو أقوى تعبيرا من الكلام - ينطق بالكفر أفصح من اللسان؟! إن المماحكة في هذا الحكم الصارم الجازم العام الشامل،لا تعني إلا محاولة التهرب من مواجهة الحقيقة.
والتأويل والتأول في مثل هذا الحكم لا يعني إلا محاولة تحريف الكلم عن مواضعه ..وليس لهذه المماحكة من قيمة ولا أثر في صرف حكم اللّه عمن ينطبق عليهم بالنص الصريح الواضح الأكيد.
وبعد بيان هذا الأصل القاعدي في دين اللّه كله،يعود السياق،لعرض نماذج من شريعة التوراة التي أنزلها اللّه ليحكم بها النبيون والربانيون والأحبار للذين هادوا - بما استحفظوا من كتاب اللّه وكانوا عليه شهداء: «وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها:أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ،وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ،وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ،وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ،وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ،وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ» ..
وقد استبقيت هذه الأحكام التي نزلت بها التوراة في شريعة الإسلام،وأصبحت جزءا من شريعة المسلمين،التي جاءت لتكون شريعة البشرية كلها إلى آخر الزمان.وإن كانت لا تطبق إلا في دار الإسلام،لاعتبار ات عملية بحتة حيث لا تملك السلطة المسلمة أن تطبقها فيما وراء حدود دار الإسلام.وحيثما كان ذلك في استطاعتها فهي مكلفة تنفيذها وتطبيقها،بحكم أن هذه الشريعة عامة للناس كافة،للأزمان كافة،كما أرادها اللّه.
وقد أضيف إليها في الإسلام حكم آخر في قوله تعالى: «فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ» ..
ولم يكن ذلك في شريعة التوراة.إذ كان القصاص حتما لا تنازل فيه،ولا تصدق به،ومن ثم فلا كفارة ..
الحكمة من عقوبة القصاص
ويحسن أن نقول كلمة عن عقوبات القصاص هذه على قدر السياق في الظلال.
أول ما تقرره شريعة اللّه في القصاص،هو مبدأ المساواة ..المساواة في الدماء والمساواة في العقوبة ..ولم تكن شريعة أخرى - غير شريعة اللّه - تعترف بالمساواة بين النفوس،فتقتص للنفس بالنفس،وتقتص للجوارح بمثلها،على اختلاف المقامات والطبقات والأنساب والدماء والأجناس ..