فهرس الكتاب

الصفحة 1287 من 4997

إلى أهوائهم! فالآن يحذره من فتنتهم له عن بعض ما أنزل اللّه إليه: «وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ،وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ،وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ» ..

فالتحذير هنا أشد وأدق وهو تصوير للأمر على حقيقته ..فهي فتنة يجب أن تحذر ..والأمر في هذا المجال لا يعدو أن يكون حكما بما أنزل اللّه كاملا أو أن يكون اتباعا للهوى وفتنة يحذر اللّه منها.

ثم يستمر السياق في تتبع الهواجس والخواطر فيهون على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم إذا لم يعجبهم هذا الاستمساك الكامل بالصغيرة قبل الكبيرة في هذه الشريعة،وإذا هم تولوا فلم يختاروا الإسلام دينا أو تولوا عن الاحتكام إلى شريعة اللّه (في ذلك الأوان حيث كان هناك تخيير قبل أن يصبح هذا حتما في دار الإسلام) : «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ.وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ» .فإن تولوا فلا عليك منهم ولا يفتنك هذا عن الاستمساك الكامل بحكم اللّه وشريعته.ولا تجعل إعراضهم يفت في عضدك أو يحولك عن موقفك ..فإنهم إنما يتولون ويعرضون لأن اللّه يريد أن يجزيهم على بعض ذنوبهم.فهم الذين سيصيبهم السوء بهذا الإعراض:لا أنت ولا شريعة اللّه ودينه ولا الصف المسلم المستمسك بدينه ..ثم إنها طبيعة البشر: «وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ» فهم يخرجون وينحرفون.لأنهم هكذا ولا حيلة لك في هذا الأمر،ولا ذنب للشريعة! ولا سبيل لاستقامتهم على الطريق! وبذلك يغلق كل منافذ الشيطان ومداخله إلى النفس المؤمنة ويأخذ الطريق على كل حجة وكل ذريعة لترك شيء من أحكام هذه الشريعة لغرض من الأغراض في ظرف من الظروف ..

ثم يقفهم على مفرق الطريق ..فإنه إما حكم اللّه،وإما حكم الجاهلية.ولا وسط بين الطرفين ولا بديل

حكم اللّه يقوم في الأرض،وشريعة اللّه تنفذ في حياة الناس،ومنهج اللّه يقود حياة البشر ..أو أنه حكم الجاهلية،وشريعة الهوى،ومنهج العبودية ..فأيهما يريدون؟

معنى الجاهلية في القرآن الكريم

« أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ؟» ..إن معنى الجاهلية يتحدد بهذا النص.فالجاهلية - كما يصفها اللّه ويحددها قرآنه - هي حكم البشر للبشر،لأنها هي عبودية البشر للبشر،والخروج من عبودية اللّه،ورفض ألوهية اللّه،والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر وبالعبودية لهم من دون اللّه ..

إن الجاهلية - في ضوء هذا النص - ليست فترة من الزمان ولكنها وضع من الأوضاع.هذا الوضع يوجد بالأمس،ويوجد اليوم،ويوجد غدا،فيأخذ صفة الجاهلية،المقابلة للإسلام،والمناقضة للإسلام.

والناس - في أي زمان وفي أي مكان - إما أنهم يحكمون بشريعة اللّه - دون فتنة عن بعض منها - ويقبلونها ويسلمون بها تسليما،فهم إذن في دين اللّه.وإما أنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر - في أي صورة من الصور - ويقبلونها فهم إذن في جاهلية وهم في دين من يحكمون بشريعته،وليسوا بحال في دين اللّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت