فهرس الكتاب

الصفحة 1311 من 4997

إن هذا السؤال الذي وجه اللّه رسوله إلى توجيهه لأهل الكتاب،هو من ناحية سؤال تقريري لإثبات ما هو واقع بالفعل منهم وكشف حقيقة البواعث التي تدفع بهم إلى موقفهم من الجماعة المسلمة ودينها وصلاتها.وهو من ناحية سؤال استنكاري،لاستنكار هذا الواقع منهم،واستنكار البواعث الدافعة عليه ..وهو في الوقت ذاته توعية للمسلمين،وتنفير لهم من موالاة القوم،وتقرير لما سبق في النداءات الثلاثة من نهي عن هذه الموالاة وتحذير.

إن أهل الكتاب لم يكونوا ينقمون على المسلمين في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهم لا ينقمون اليوم على طلائع البعث الإسلامي - إلا أن هؤلاء المسلمين يؤمنون باللّه وما أنزله اللّه إليهم من قرآن وما صدق عليه قرآنهم مما أنزله اللّه من قبل من كتب أهل الكتاب ..

إنهم يعادون المسلمين لأنهم مسلمون! لأنهم ليسوا يهودا ولا نصارى.ولأن أهل الكتاب فاسقون منحرفون عما أنزله اللّه إليهم وآية فسقهم وانحرافهم أنهم لا يؤمنون بالرسالة الأخيرة وهي مصدقة لما بين أيديهم - لا ما ابتدعوه وحرفوه - ولا يؤمنون بالرسول الأخير،وهو مصدق لما بين يديه معظم لرسل اللّه أجمعين.

إنهم يحاربون المسلمين هذه الحرب الشعواء التي لم تضع أوزارها قط،ولم يخب أوارها طوال ألف وأربعمائة عام منذ أن قام للمسلمين كيان في المدينة وتميزت لهم شخصية وأصبح لهم وجود مستقل ناشئ من دينهم المستقل،وتصورهم المستقل،ونظامهم المستقل،في ظل منهج اللّه الفريد.

إنهم يشنون على المسلمين هذه الحرب المشبوبة لأنهم - قبل كل شيء - مسلمون ولا يمكن أن يطفئوا هذه الحرب المشبوبة إلا أن يردوا المسلمين عن دينهم فيصبحوا غير مسلمين ..ذلك أن أهل الكتاب أكثرهم فاسقون ومن ثم لا يحبون المستقيمين الملتزمين من المسلمين! واللّه - سبحانه - يقرر هذه الحقيقة في صورة قاطعة،وهو يقول لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في السورة الأخرى: «وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ» ..ويقول له في هذه السورة أن يواجه أهل الكتاب بحقيقة بواعثهم وركيزة موقفهم: « قُلْ:يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ؟» ..

وهذه الحقيقة التي يقررها اللّه سبحانه في مواضع كثيرة من كلامه الصادق المبين،هي التي يريد تمييعها وتلبيسها وتغطيتها وإنكارها اليوم كثيرون من أهل الكتاب،وكثيرون ممن يسمون أنفسهم «مسلمين» ..باسم تعاون «المتدينين» في وجه المادية والإلحاد كما يقولون! أهل الكتاب يريدون اليوم تمييع هذه الحقيقة بل طمسها وتغطيتها،لأنهم يريدون خداع سكان الوطن الإسلامي - أو الذي كان إسلاميا بتعبير أصح - وتخدير الوعي الذي كان قد بثه فيهم الإسلام بمنهجه الرباني القويم.ذلك أنه حين كان هذا الوعي سليما لم يستطع الاستعمار الصليبي أن يقف للمد الإسلامي،فضلا على أن يستعمر الوطن الإسلامي ..ولم يكن بد لهؤلاء - بعد فشلهم في الحروب الصليبية السافرة،وفي حرب التبشير السافرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت