فهرس الكتاب

الصفحة 1315 من 4997

قَدْ خَرَجُوا بِهِ.وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ.وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ.وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ،لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ! لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ.لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ! وَقالَتِ الْيَهُودُ:يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ..غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ - وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا،وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ،كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ.وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا.وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» ..

إنها عبارات تنشئ صورا متحركة ومشاهد حية - على طريقة التعبير القرآنية الفريدة [1] - ومن وراء القرون يملك قارئ هذه الآيات أن يشهد - بعين التصور - هؤلاء القوم الذين يتحدث عنهم القرآن من يهود - على الأرجح - فالسياق يتحدث عنهم،وإن كان من الجائز أنه يعني كذلك بعض المنافقين في المدينة ..يشهدهم يجيئون للمسلمين فيقولون:آمنا ..ويشهد في جعبتهم «الكفر» وهم يدخلون به ويخرجون بينما ألسنتهم تقول غير ما في الجعبة من كفر يحملونه داخلين خارجين! ولعلهم من يهود أولئك الذين كانوا يبيتون البلبلة وهم يقولون بعضهم لبعض:آمنوا بهذا القرآن وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ..أي لعل المسلمين يرجعون عن دينهم بسبب هذه البلبلة والتشكيك الخبيث اللئيم: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ» ..يقولها اللّه - سبحانه - لأنها الحقيقة ثم لكي يطمئن المؤمنون إلى كلاءة ربهم لهم،وحفظهم من كيد عدوهم وإحاطته علما بهذا الكيد المكتوم،ثم ليهدد أصحاب هذا الكيد لعلهم ينتهون! ويمضي السياق يرسم حركاتهم كأنها منظورة تشهد وتلحظ من خلال التعبير: «وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ،وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ.لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» ..

والمسارعة مفاعلة تصور القوم كأنما يتسابقون تسابقا في الإثم والعدوان،وأكل الحرام.وهي صورة ترسم للتبشيع والتشنيع،ولكنها تصور حالة من حالات النفوس والجماعات حين يستشري فيها الفساد وتسقط القيم ويسيطر الشر ..وإن الإنسان لينظر إلى المجتمعات التي انتهت إلى مثل هذه الحال،فيرى كأنما كل من فيها يتسابقون إلى الشر ..إلى الإثم والعدوان،قويهم وضعيفهم سواء ..فالإثم والعدوان - في المجتمعات الهابطة الفاسدة - لا يقتصران على الأقوياء بل يرتكبهما كذلك الضعفاء ..فحتى هؤلاء ينساقون في تيار الإثم.وحتى هؤلاء يملكون الاعتداء إنهم لا يملكون الاعتداء على الأقوياء طبعا.ولكن يعتدي بعضهم على بعض.ويعتدون على حرمات اللّه.لأنها هي التي تكون في المجتمعات الفاسدة الحمى المستباح الذي لا حارس له من حاكم ولا محكوم فالإثم والعدوان طابع المجتمع حين يفسد والمسارعة فيهما عمل هذه المجتمعات! وكذلك كان مجتمع يهود في تلك الأيام

(1) - يراجع فصل: «طريقة القرآن» في كتاب: «التصوير الفني في القرآن» . «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت