فهرس الكتاب

الصفحة 1368 من 4997

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» ..والصلاة في خمسة أوقات معظمها متقارب ولا يكفي ما بينها للسكر ثم الإفاقة.وفي هذا تضييق لفرص المزاولة العملية لعادة الشراب - وخاصة عادة الصبوح في الصباح والغبوق بعد العصر أو المغرب كما كانت عادة الجاهليين - وفيه كسر لعادة الإدمان التي تتعلق بمواعيد التعاطي.وفيه - وهو أمر له وزنه في نفس المسلم - ذلك التناقض بين الوفاء بفريضة الصلاة في مواعيدها والوفاء بعادة الشراب في مواعيدها!

ثم كانت هذه الرابعة الحاسمة والأخيرة،وقد تهيأت النفوس لها تهيؤا كاملا فلم يكن إلا النهي حتى تتبعه الطاعة الفورية والإذعان:عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،قَالَ:لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ،قَالَ:اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا،فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} ،قَالَ:فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ،فَقَالَ:اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً،فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَقَامَ الصَّلاةَ نَادَى:أَنْ لاَ يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرَانُ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ،فَقَالَ:اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً،فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ،فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ،فَلَمَّا بَلَغَ {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} قَالَ:فَقَالَ عُمَرُ انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا... (أخرجه أصحاب السنن) [1] .

ولما نزلت آيات التحريم هذه،في سنة ثلاث بعد وقعة أحد،لم يحتج الأمر إلى أكثر من مناد في نوادي المدينة: «ألا أيها القوم.إن الخمر قد حرمت» ..فمن كان في يده كأس حطمها ومن كان في فمه جرعة مجها،وشقت زقاق الخمر وكسرت قنانيه ..وانتهى الأمر كأن لم يكن سكر ولا خمر! والآن ننظر في صياغة النص القرآني والمنهج الذي يتجلى فيه منهج التربية والتوجيه: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ،فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» .

إنه يبدأ بالنداء المألوف في هذا القطاع: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» ..لاستجاشة قلوب المؤمنين من جهة ولتذكيرهم بمقتضى هذا الإيمان من الالتزام والطاعة من جهة أخرى ..

يلي هذا النداء الموحي تقرير حاسم على سبيل القصر والحصر: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ» ..فهي دنسة لا ينطبق عليها وصف «الطيبات» التي أحلها اللّه.وهي من عمل الشيطان.والشيطان عدو الإنسان القديم ويكفي أن يعلم المؤمن أن شيئا ما من

(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (1 / 189) (378) وسنن أبي داود - المكنز - (3672 ) صحيح

لعل آية النحل هي التي أثارت قلق عمر - رضي اللّه عنه - ورغبته في بيان شفاء.وقد كان عمر - كما حكى عن نفسه - رجل خمر في الجاهلية.مما يدل على تغلغل هذه العادة في المجتمع الجاهلي .. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت