فهرس الكتاب

الصفحة 1371 من 4997

ثم إن هذه الغيبوبة في حقيقتها إن هي إلا هروب من واقع الحياة في فترة من الفترات وجنوح إلى التصورات التي تثيرها النشوة أو الخمار.والإسلام ينكر على الإنسان هذا الطريق ويريد من الناس أن يروا الحقائق،وأن يواجهوها،ويعيشوا فيها،ويصرفوا حياتهم وفقها،ولا يقيموا هذه الحياة على تصورات وأوهام ..إن مواجهة الحقائق هي محك العزيمة والإرادة أما الهروب منها إلى تصورات وأوهام فهو طريق التحلل،ووهن العزيمة،وتذاوب الإرادة.والإسلام يجعل في حسابه دائما تربية الإرادة،وإطلاقها من قيود العادة القاهرة ..الإدمان ..

وهذا الاعتبار كاف وحده من وجهة النظر الإسلامية لتحريم الخمر وتحريم سائر المخدرات ..وهي رجس من عمل الشيطان ..مفسد لحياة الإنسان.

وقد اختلف الفقهاء في اعتبار ذات الخمر نجسة كبقية النجاسات الحسية.أو في اعتبار شربها هو المحرم.

والأول قول الجمهور والثاني قول ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين ..وحسبنا هذا القدر في سياق الظلال.

وقد حدث أنه لما نزلت هذه الآيات،وذكر فيها تحريم الخمر،ووصفت بأنها رجس من عمل الشيطان أن انطلقت في المجتمع المسلم صيحتان متحدتان في الصيغة،مختلفتان في الباعث والهدف.

قال بعض المتحرجين من الصحابة:كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر ..أو قالوا:فما بال قوم قتلوا في أحد وهي في بطونهم (أي قبل تحريمها) .

وقال بعض المشككين الذين يهدفون إلى البلبلة والحيرة ..هذا القول أو ما يشبهه يريدون أن ينشروا في النفوس قلة الثقة في أسباب التشريع،أو الشعور بضياع إيمان من ماتوا والخمر لم تحرم وهي رجس من عمل الشيطان،ماتوا والرجس في بطونهم! عندئذ نزلت هذه الآية: «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ.ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا،ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا،وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» ..نزلت لتقرر أولا أن ما لم يحرّم لا يحرم وأن التحريم يبدأ من النص لا قبله وأنه لا يحرم بأثر رجعي فلا عقوبة إلا بنص سواء في الدنيا أو في الآخرة لأن النص هو الذي ينشئ الحكم ..والذين ماتوا والخمر في بطونهم،وهي لم تحرم بعد،ليس عليهم جناح فإنهم لم يتناولوا محرما ولم يرتكبوا معصية [1] ..لقد كانوا يخافون اللّه ويعملون الصالحات ويراقبون اللّه

(1) - عَنِ الْبَرَاءِ،قَالَ:مَاتَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ،فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا،قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:فَكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا ؟ فَنَزَلَتْ {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [المائدة] .صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [12 /172] ( 5350)

وعَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - كُنْتُ سَاقِىَ الْقَوْمِ فِى مَنْزِلِ أَبِى طَلْحَةَ،وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ،فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُنَادِيًا يُنَادِى « أَلاَ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ » .قَالَ فَقَالَ لِى أَبُو طَلْحَةَ اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا،فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا،فَجَرَتْ فِى سِكَكِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهْىَ فِى بُطُونِهِمْ .فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ) الآيَةَ"صحيح البخارى- المكنز [9 /137] ( 2464 ) وصحيح مسلم- المكنز [13 /202] (5246 ) الفضيخ:شراب يتخذ من البسر"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت