إن القلب البشري إما أن يستقيم على فطرته التي فطره اللّه عليها فيعرف إلهه الواحد،ويتخذه ربا،ويعترف له وحده بالعبودية ويستسلم لشرعه وحده ويرفض ربوبية من عداه فيرفض إذن أن يتلقى شريعة من سواه ..إما أن يستقيم القلب البشري على فطرته هذه فيجد اليسر في الاتصال بربه،ويجد البساطة في عبادته،ويجد الوضوح في علاقاته به ..وإما أن يتيه في دروب الجاهلية والوثنية ومنعرجاتها،تتلقاه في كل درب ظلمة،ويصادفه في كل ثنية وهم.تطلب إليه طواغيت الجاهلية والوثنية شتى الطقوس لعبادتها،وشتى التضحيات لإرضائها ثم تتعدد الطقوس في العبادات والتضحيات،حتى ينسى الوثني أصولها،ويؤديها وهو لا يعرف حكمتها،ويعاني من العبودية لشتى الأرباب ما يقضي على كرامة الإنسان التي منحها اللّه للإنسان.
ولقد جاء الإسلام بالتوحيد ليوحد السلطة التي تدين العباد ثم ليحرر الناس بذلك من العبودية بعضهم لبعض ومن عبوديتهم لشتى الآلهة والأرباب ..وجاء ليحرر الضمير البشري من أوهام الوثنية وأوهاقها وليرد إلى العقل البشري كرامته ويطلقه من ربقة الآلهة وطقوسها.ومن ثم حارب الوثنية في كل صورها وأشكالها وتتبعها في دروبها ومنحنياتها.سواء في أعماق الضمير،أم في شعائر العبادة،أم في أوضاع الحياة وشرائع الحكم والنظام.
وهذا منعرج من منعرجات الوثنية في الجاهلية العربية،يعالجه ليقومه ويسلط عليه النور ليبطل ما حوله من أساطير.ويقرر أصول التفكير والنظر وأصول الشرع والنظام في آن: «ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ.وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ،وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» ..
هذه الصنوف من الأنعام التي كانوا يطلقونها لآلهتهم بشروط خاصة،منتزعة من الأوهام المتراكمة في ظلمات العقل والضمير.البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي!!! هذه الصنوف من الأنعام ما هي؟ ومن الذي شرع لهم هذه الأحكام فيها؟
لقد تشعبت الروايات في تعريفها،فنعرض نحن طرفا من هذه التعريفات:
عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ , وَلَا سَائِبَةٍ , وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ , قَالَ:"الْبَحِيرَةُ مِنَ الْإِبِلِ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ , وَالسَّائِبَةُ مِنَ الْإِبِلِ مَا كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ , وَالْوَصِيلَةُ مِنَ الْإِبِلِ مَا كَانَتِ النَّاقَةُ تَبْتَكِرُ بِأُنْثَى , ثُمَّ تُثَنِّي بِأُنْثَى فَيُسَمُّونَهَا الْوَصِيلَةَ , يَقُولُونَ وَصَلَتِ اثْنَتَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ , وَكَانُوا يَجْدَعُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ , وَالْحَامِي , الْفَحْلُ مِنَ الْإِبِلِ كَانَ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَةَ , فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ قَالُوا:هَذَا حَامٍ حَمَى ظَهْرَهُ , فَتُرِكَ فَسَمُّوهُ الْحَامِيَ" [1]
« وقال أهل اللغة:البحيرة الناقة التي تشق أذنها،يقال:بحرت أذن الناقة أبحرها بحرا،والناقة مبحورة وبحيرة،إذا شققتها واسعا.ومنه البحر لسعته.وكان أهل الجاهلية يحرمون البحيرة،وهي أن تنتج خمسة
(1) - تَفْسِيرُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (730 ) وجَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (11696) صحيح