فهرس الكتاب
للآلهة في الزمان القديم! على أن المسألة في تلك الطقوس الجاهلية - وفي كل جاهلية - هي القاعدة الكلية.هي نقطة الانطلاق في طريق الإسلام أو في طريق الجاهلية.هي ..لمن الحكم في حياة الناس ..للّه وحده كما قرر في شريعته؟ أم لغير اللّه فيما يقرره البشر لأنفسهم من أحكام وأوضاع وشرائع وطقوس وقيم وموازين؟ أو بتعبير آخر:لمن الألوهية على الناس؟ للّه؟ أم لخلق من خلقه؟ أيا كان هذا الخلق الذي يزاول حقوق الألوهية على الناس! ومن ثم يبدأ النص القرآني بتقرير أن اللّه لم يشرع هذه الطقوس.لم يشرع البحيرة ولا السائبة ولا الوصيلة ولا الحامي ..فمن ذا الذي شرعها إذن لهؤلاء الكفار؟! «ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ» ..
والذين يتبعون ما شرعه غير اللّه هم كفار.كفار يفترون على اللّه الكذب.مرة يشرعون من عند أنفسهم ثم يقولون:شريعة اللّه ..ومرة يقولون:إننا نشرع لأنفسنا ولا ندخل شريعة اللّه في أوضاعنا ..ونحن مع هذا لا نعصي اللّه ..وكله كذب على اللّه: «وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» ..ومشركو العرب كانوا يعتقدون أنهم على دين إبراهيم الذي جاء به من عند اللّه.فهم لم يكونوا يجحدون اللّه البتة.بل كانوا يعترفون بوجوده وبقدرته وبتصريفه للكون كله.ولكنهم مع ذلك كانوا يشرعون لأنفسهم من عند أنفسهم ثم يزعمون أن هذا شرع اللّه! وهم بهذا كانوا كفارا.ومثلهم كل أهل جاهلية في أي زمان وفي أي مكان يشرعون لأنفسهم من عند أنفسهم ثم يزعمون - أو لا يزعمون - أن هذا شرع اللّه! إن شرع اللّه هو الذي قرره في كتابه،وهو الذي بينه رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو ليس مبهما ولا غامضا ولا قابلا لأن يفتري عليه أحد من عنده ما يفتري،ويزعم أنه منه،كما يتصور أهل الجاهلية في أي زمان وفي أي مكان! ولذلك يصم اللّه الذين ادعوا هذا الادعاء بالكفر.ثم يصمهم كذلك بأنهم لا يعقلون! ولو كانوا يعقلون ما افتروا على اللّه.ولو كانوا يعقلون ما حسبوا أن يمر هذا الافتراء! ثم يزيد هذه المفارقة في قولهم وفعلهم إيضاحا: « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ:تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ،قالُوا:حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا.أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ؟» ..
إن ما شرعه اللّه بيّن.وهو محدد فيما أنزل اللّه ومبين بما سنه رسوله ..وهذا هو المحك.وهذه هي النقطة التي يفترق فيها طريق الجاهلية وطريق الإسلام.طريق الكفر وطريق الإيمان ..فإما أن يدعى الناس إلى ما أنزل اللّه بنصه وإلى الرسول ببيانه فيلبوا ..فهم إذن مسلمون.وإما أن يدعوا إلى اللّه والرسول فيأبوا ..فهم إذن كفار ..ولا خيار ..
وهؤلاء كانوا إذا قيل لهم:تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرسول،قالوا:حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا! فاتبعوا ما شرعه العبيد،وتركوا ما شرعه رب العبيد.ورفضوا نداء التحرر من عبودية العباد للعباد،واختاروا عبودية العقل والضمير،للآباء والأجداد.