فهرس الكتاب

الصفحة 1409 من 4997

يحتاج الأمر إلى الحدود والتعازير التي شرعها اللّه - إلا في الندرة النادرة - لأن الرقابة قامت هنالك في الضمائر ولأن الطمع في رضى اللّه وثوابه،والحياء والخوف من غضبه وعقابه قد قامت كلها مقام الرقابة ومقام العقوبات ..

وارتفعت البشرية في نظامها،وفي أخلاقها،وفي حياتها كلها،إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل الإسلام ..

ولقد تم هذا كله لأن الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وأحكام كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم،في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك.وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدين وعدا واحدا،لا يدخل فيه الغلب والسلطان ..ولا حتى لهذا الدين على أيديهم ..وعدا واحدا لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا ..وعدا واحدا هو الجنة ..هذا كل ما وعدوه على الجهاد المضني،والابتلاء الشاق،والمضي في الدعوة،ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان،في كل زمان وفي كل مكان،وهو: «لا إله إلا اللّه» ! فلما أن ابتلاهم اللّه فصبروا ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم ولما أن علم اللّه منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض - كائنا ما كان هذا الجزاء ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم،وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم - ولما لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجنس ولا قوم،ولا اعتزاز بوطن ولا أرض.ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت ..

لما أن علم اللّه منهم ذلك كله،علم أنهم قد أصبحوا - إذن - أمناء على هذه الأمانة الكبرى.أمناء على العقيدة التي يتفرد فيها اللّه سبحانه بالحاكمية في القلوب والضمائر وفي السلوك والشعائر،وفي الأرواح والأموال،وفي الأوضاع والأحوال ..وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة اللّه ينفذونها،وعلى عدل اللّه يقيمونه،دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لأنفسهم ولا لعشيرتهم ولا لقومهم ولا لجنسهم إنما يكون السلطان الذي في أيديهم للّه ولدينه وشريعته،لأنهم يعلمون أنه من اللّه،هو الذي آتاهم إياه.

ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوي الرفيع،إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء،وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها ..راية لا إله إلا اللّه ..ولا ترفع معها سواها ..وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره المبارك الميسر في حقيقته.

وما كان هذا المنهج المبارك ليخلص للّه،لو أن الدعوة بدأت خطواتها الأولى دعوة قومية،أو دعوة اجتماعية،أو دعوة أخلاقية ..أو رفعت أي شعار إلى جانب شعارها الواحد: «لا إله إلا اللّه» ..

3 -لماذا بدأ القرآن بالعقيدة ثم بالتشريعات ? وطريق الدعوة

ذلك شأن تصدي القرآن المكي كله لتقرير: «لا إله إلا اللّه» في القلوب والعقول،واختيار هذا الطريق - على مشقته في الظاهر - وعدم اختيار السبل الجانبية الأخرى والإصرار على هذا الطريق ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت