فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 4997

النصوص الصحيحة عن فعل اللّه. سبحانه،لا مناص من التسليم بوقوعه،دون محاولة إدراك كيفيته .. إذ أن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية كما قلنا .. واللّه ليس كمثله شيء.

فلا سبيل إلى إدراك ذاته ولا إلى إدراك كيفيات أفعاله. إذ أنه. لا سبيل إلى تشبيه فعله بفعل أي شيء،ما دام أن ليس كمثله شيء .. وكل محاولة لتصور كيفيات أفعاله على مثال كيفيات أفعال خلقه،هي محاولة مضللة،لاختلاف ماهيته - سبحانه - عن ماهيات خلقه. وما يترتب على هذا من اختلاف كيفيات أفعاله عن كيفيات أفعال خلقه .. وكذلك جهل وضل كل من حاولوا - من الفلاسفة والمتكلمين - وصف كيفيات أفعال اللّه،وخلطوا خلطا شديدا!" [1] "

" «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» ..والاستواء على العرش.كناية عن مقام السيطرة العلوية الثابتة الراسخة،باللغة التي يفهمها البشر ويتمثلون بها المعاني،على طريقة القرآن في التصوير (كما فصلنا هذا في فصل التخييل الحسي والتجسيم من كتاب التصوير الفني في القرآن) و «ثم» هنا ليست للتراخي الزماني،إنما هي للبعد المعنوي.فالزمان في هذا المقام لا ظل له.وليست هناك حالة ولا هيئة لم تكن للّه - سبحانه - ثم كانت.فهو - سبحانه - منزه عن الحدوث وما يتعلق به من الزمان والمكان.لذلك نجزم بأن «ثم» هنا للبعد المعنوي،ونحن آمنون من أننا لم نتجاوز المنطقة المأمونة التي يحق فيها للعقل البشري أن يحكم ويجزم.لأننا نستند إلى قاعدة كلية في تنزيه اللّه سبحانه عن تعاقب الهيئات والحالات،وعن مقتضيات الزمان والمكان." [2]

"ومن هذا المنظور الهائل الذي يراه الناس،إلى المغيب الهائل الذي تتقاصر دونه المدارك والأبصار: «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» ..فإن كان علو فهذا أعلى.وإن كانت عظمة فهذا أعظم.وهو الاستعلاء المطلق،يرسمه في صورة على طريقة القرآن في تقريب الأمور المطلقة لمدارك البشر المحدودة."

وهي لمسة أخرى هائلة من لمسات الريشة المعجزة.لمسة في العلو المطلق إلى جانب اللمسة الأولى في العلو المنظور،تتجاوران وتتسقان في السياق ..

ومن الاستعلاء المطلق إلى التسخير.تسخير الشمس والقمر.تسخير العلو المنظور للناس على ما فيه من عظمة أخاذة،أخذت بألبابهم في اللمسة الأولى،ثم إذا هي مسخرة بعد ذلك للّه الكبير المتعال.

ونقف لحظة أمام التقابلات المتداخلة في المشهد قبل أن نمضي معه إلى غايته.فإذا نحن أمام ارتفاع في الفضاء المنظور يقابله ارتفاع في الغيب المجهول.وإذا نحن أمام استعلاء يقابله التسخير.وإذا نحن أمام الشمس والقمر يتقابلان في الجنس:نجم وكوكب،ويتقابلان في الأوان،بالليل والنهار .." [3] "

(1) - في ظلال القرآن بتحقيقي ط1 [3 /399]

(2) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [3 /1762]

(3) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [4 /2044]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت