فهرس الكتاب

الصفحة 1474 من 4997

كانوا يعتقدون أن هناك كائنات من خلق اللّه،لها مشاركة - عن طريق الشفاعة الملزمة عند اللّه - في تسيير الأحداث والأقدار.كالملائكة.أو عن طريق قدرتها على الأذى - كالجن بذواتهم أو باستخدام الكهان والسحرة لهم - أو عن طريق هذه وتلك - كأرواح الآباء والأجداد - وكل أولئك كانوا يرمزون له بالأصنام التي تعمرها أرواح هذه الكائنات ويستنطقها الكهان فتحل لهم ما تحل،وتحرم عليهم ما تحرم ..وإنما هم الكهان في الحقيقة ..هم الشركاء! وكانوا يزاولون الشرك في تقديم الشعائر لهذه الأصنام وتقديم القربان لها والنذور - وفي الحقيقة للكهان - كما أن بعضهم - نقلا عن الفرس - كانوا يعتقدون في الكواكب ومشاركتها في تسيير الأحداث - عن طريق المشاركة للّه - ويتقدمون لها كذلك بالشعائر (ومن هنا علاقة الحلقة المذكورة في هذه السورة من قصة إبراهيم عليه السلام بموضوع السورة كما سيأتي) ..

وكذلك كانوا يزاولون اللون الثالث من الشرك بإقامتهم لأنفسهم - عن طريق الكهان والشيوخ - شرائع وقيما وتقاليد،لم يأذن بها اللّه ..وكانوا يدعون ما يدعيه بعض الناس اليوم من أن هذا هو شريعة اللّه! وفي هذا المشهد - مشهد الحشر والمواجهة - يواجه المشركين - كل أنواع المشركين بكل ألوان الشرك - بسؤالهم عن الشركاء - كل أصناف الشركاء - أين هم؟ فإنه لا يبدو لهم أثر ولا يكفون عن أتباعهم الهول والعذاب: «وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا،ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا:أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟» ..والمشهد شاخص،والحشر واقع،والمشركون مسؤولون ذلك السؤال العظيم ..الأليم: «أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟» ..وهنا يفعل الهول فعله ..هنا تتعرى الفطرة من الركام الذي ران عليها في الدنيا ..هنا ينعدم من الفطرة ومن الذاكرة - كما هو منعدم في الواقع والحقيقة - وجود الشركاء فيشعرون أنه لم يكن شرك،ولم يكن شركاء ..

لم يكن لهذا كله من وجود لا في حقيقة ولا واقع ..هنا «يفتنون» فيذهب الخبث،ويسقط الركام - من فتنة الذهب بالنار ليخلص من الخبث والزبد: «ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا:وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ» ..

إن الحقيقة التي تجلت عنها الفتنة،أو التي تبلورت فيها الفتنة،هي تخليهم عن ماضيهم كله وإقرارهم بربوبية اللّه وحده وتعريهم من الشرك الذي زاولوه في حياتهم الدنيا ..ولكن حيث لا ينفع الإقرار بالحق والتعري من الباطل ..فهو إذن بلاء هذا الذي تمثله قولتهم وليس بالنجاة ..لقد فات الأوان ..فاليوم للجزاء لا للعمل ..واليوم لتقرير ما كان لا لاسترجاع ما كان ..

لذلك يقرر اللّه سبحانه،معجبا رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أمر القوم،أنهم كذبوا على أنفسهم يوم اتخذوا هؤلاء الشركاء شركاء،حيث لا وجود لشركتهم مع اللّه في الحقيقة.وأنهم اليوم غاب عنهم ما كانوا يفترونه،فاعترفوا بالحق بعد ما غاب عنهم الافتراء: «انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ،وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت