فهرس الكتاب

الصفحة 1505 من 4997

(حتميات) لكان ذلك مستساغا ..ولكن إذا وجد المفتري من المغفلين من يصدقه فلما ذا لا يفتري؟! واللّه يقول الحق ويعلم ماذا كان،ولما ذا كان.ويقص على عبيده - رحمة منه وفضلا - جانبا من أسرار سنته وقدره ليأخذوا حذرهم ويتعظوا وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخي من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة يفسرون بها هذا الواقع التاريخي تفسيرا كاملا صحيحا.ومن وراء هذه المعرفة يمكن أن يتوقعوا ما سيكون،استنادا إلى سنة اللّه التي لا تتبدل ..هذه السنة التي يكشف اللّه لهم عنها ..

وفي هذه الآيات تصوير وعرض لنموذج متكرر في أمم شتى ..أمم جاءتهم رسلهم.فكذبوا.فأخذهم اللّه بالبأساء والضراء.في أموالهم وفي أنفسهم.في أحوالهم وأوضاعهم ..البأساء والضراء التي لا تبلغ أن تكون «عذاب اللّه» الذي تحدثت عنه الآية السابقة،وهو عذاب التدمير والاستئصال ..

وقد ذكر القرآن نموذجا محددا من هذه الأمم،ومن البأساء والضراء التي أخذها بها ..في قصة فرعون وملئه: «وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ.فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا:لَنا هذِهِ،وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ.أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ،وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.وَقالُوا:مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ.فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ،آياتٍ مُفَصَّلاتٍ،فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ» ..

وهو نموذج من نماذج كثيرة تشير إليها الآية ..

لقد أخذهم اللّه بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم وينقبوا في ضمائرهم وفي واقعهم،لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى اللّه،ويتذللون له،وينزلون عن عنادهم واستكبارهم،ويدعون اللّه أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة،فيرفع اللّه عنهم البلاء،ويفتح لهم أبواب الرحمة ..ولكنهم لم يفعلوا ما كان حريا أن يفعلوا.لم يلجأوا إلى اللّه،ولم يرجعوا عن عنادهم،ولم ترد إليهم الشدة وعيهم،ولم تفتح بصيرتهم،ولم تلين قلوبهم.وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ما هم فيه من الضلال والعناد: «وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ،وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» ..والقلب الذي لا ترده الشدة إلى اللّه قلب تحجر فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة! ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس! وتعطلت أجهزة الاستقبال الفطرية فيه،فلم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة،التي تنبه القلوب الحية للتلقي والاستجابة.والشدة ابتلاء من اللّه للعبد فمن كان حيا أيقظته،وفتحت مغاليق قلبه،وردته إلى ربه وكانت رحمة له من الرحمة التي كتبها اللّه على نفسه ..ومن كان ميتا حسبت عليه،ولم تفده شيئا،وإنما أسقطت عذره وحجته،وكانت عليه شقوة،وكانت موطئة للعذاب! وهذه الأمم التي يقص اللّه - سبحانه - من أنبائها على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن وراءه من أمته ..

لم تفد من الشدة شيئا.لم تتضرع إلى اللّه،ولم ترجع عما زينه لها الشيطان من الإعراض والعناد ..وهنا يملي لها اللّه - سبحانه - ويستدرجها بالرخاء:«فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت