فهرس الكتاب

الصفحة 1516 من 4997

فاللّه قد جعل حجته على الناس هي الوحي والرسالة،ولم يجعل هذه الحجة هي عقلهم البشري،ولا حتى فطرتهم التي فطرهم اللّه عليها من معرفة ربها الواحد والإيمان به.

لأن اللّه سبحانه يعلم أن العقل وحده يضل،وأن الفطرة وحدها تنحرف.وأنه لا عاصم لعقل ولا لفطرة،إلا أن يكون الوحي هو الرائد الهادي،وهو النور والبصيرة [1] والذين يزعمون أن الفلسفة تغني العقل عن الدين أو أن العلم - وهو من منتجات العقل - يغني البشرية عن هدى اللّه إنما يقولون قولا لا سند له من الحقيقة ولا من الواقع كذلك ..فالواقع يشهد أن الحياة البشرية التي قامت أنظمتها على المذاهب الفلسفية أو على العلم،هي أبأس حياة يشقى فيها «الإنسان» مهما فتحت عليه أبواب كل شيء ومهما تضاعف الإنتاج والإيراد ومهما تيسرت أسباب الحياة ووسائل الراحة فيها على أوسع نطاق [2] ..وليس مقابل هذا أن تقوم الحياة على الجهل والتلقائية! فالذين يضعون المسألة هكذا مغرضون! فإن الإسلام منهج حياة يكفل للعقل البشري الضمانات التي تقيه عيوب تركيبه الذاتي،وعيوب الضغوط التي تقع عليه من الأهواء والشهوات والنزعات.ثم يقيم له الأسس،ويضع له القواعد،التي تكفل استقامته في انطلاقه للعلم والمعرفة والتجربة كما تكفل له استقامة الحياة الواقعية التي يعيش في ظلها - وفق شريعة اللّه - فلا يضغط عليه الواقع لينحرف بتصوراته ومناهجه كذلك!

والعقل بمصاحبة وحي اللّه وهداه بصير،وبترك وحي اللّه وهداه أعمى،واقتران الحديث عن تلقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الوحي وحده،بالإشارة إلى العمى والبصر،بالسؤال التحضيضي على التفكير: «إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ:هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ:أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ؟» ..

اقتران الإشارات وتتابعها على هذا النحو في السياق،أمر ذو دلالة في التعبير القرآني ..فالتفكر مطلوب،والحض عليه منهج قرآني ولكنه التفكر المضبوط بضابط الوحي،الذي يمضي معه مبصرا في النور لا مطلق التفكر الذي يخبط في الظلام أعمى،بلا دليل ولا هدى ولا كتاب منير ..

والعقل البشري حين يتحرك في اطار الوحي لا يتحرك في مجال ضيق،إنما يتحرك في مجال واسع جدا ..

يتحرك في مجال هو هذا الوجود كله،الذي يحتوي عالم الشهادة وعالم الغيب أيضا كما يحتوي أغوار النفس ومجالي الأحداث،ومجالات الحياة جميعا ..فالوحي لا يكف العقل عن شيء إلا عن انحراف المنهج،وسوء الرؤية والتواء الأهواء والشهوات! وبعد ذلك يدفعه إلى الحركة والنشاط دفعا.فهذه الأداة العظيمة التي وهبها اللّه للإنسان ..العقل ..إنما وهبها له لتعمل وتنشط في حراسة الوحي والهدى الرباني ..فلا تضل إذن ولا تطغى ..

(1) - يراجع تفسير قوله تعالى: «رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل» في الجزء السادس من هذه الطبعة من الظلال:ص 805 - 809 ( السيد رحمه الله )

(2) - يراجع فصل: «تخبط واضطراب» في كتاب: «الإسلام ومشكلات الحضارة» . «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت