فهرس الكتاب

الصفحة 1518 من 4997

أن يطردهم عنه ..فأبى ..فاقترحوا أن يخصص لهم مجلسا ويخصص للأشراف مجلسا آخر،لا يكون فيه هؤلاء الفقراء الضعاف،كي يظل للسادة امتيازهم واختصاصهم ومهابتهم في المجتمع الجاهلي! فهمّ - صلى الله عليه وسلم - رغبة في إسلامهم أن يستجيب لهم في هذه.فجاءه أمر ربه:

«وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» ..

روى مسلم عَنْ سَعْدٍ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - سِتَّةَ نَفَرٍ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - اطْرُدْ هَؤُلاَءِ لاَ يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا.قَالَ وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلاَلٌ وَرَجُلاَنِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا فَوَقَعَ فِى نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [1] ..

ولقد تقوّل أولئك الكبراء على هؤلاء الضعاف،الذين يخصهم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بمجلسه وبعنايته وطعنوا فيهم وعابوا ما هم فيه من فقر وضعف وما يسببه وجودهم في مجلس رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من نفور السادة وعدم إقبالهم على الإسلام ..فقضى اللّه سبحانه في هذه الدعوى بقضائه الفصل ورد دعواهم من أساسها ودحضها دحضا: « ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شيء،وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شيء،فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ» ..فإن حسابهم على أنفسهم،وحسابك على نفسك.وكونهم فقراء مقدر عليهم في الرزق هذا حسابهم عند اللّه،لا شأن لك به.كذلك غناك وفقرك هو حسابك عند اللّه لا شأن لهم به.ولا دخل لهذه القيم في قضية الإيمان والمنزلة فيه.فإن أنت طردتهم من مجلسك بحساب الفقر والغنى كنت لا تزن بميزان اللّه،ولا تقوّم بقيمة ..

فكنت من الظالمين ..وحاشا لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يكون من الظالمين! وبقي فقراء الجيوب أغنياء القلوب في مجلس رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وبقي ضعاف الجاه الأقوياء باللّه في مكانهم الذي يؤهلهم له إيمانهم والذي يستحقونه بدعائهم للّه لا يبتغون إلا وجهه.واستقرت موازين الإسلام وقيمه على المنهج الذي قرره اللّه ..عندئذ نفر المستكبرون المستنكفون يقولون:كيف يمكن أن يختص اللّه من بيننا بالخير هؤلاء الضعاف الفقراء؟

إنه لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقونا إليه ولهدانا اللّه به قبل أن يهديهم! فليس من المعقول أن يكون هؤلاء الضعاف الفقراء هم الذين يمنُّ اللّه عليهم من بيننا ويتركنا ونحن أصحاب المقام والجاه! وكانت هذه هي الفتنة التي قدرها اللّه لهؤلاء المتعالين بالمال والنسب والذين لم يدركوا طبيعة هذا الدين وطبيعة الدنيا الجديدة التي يطلع بها على البشرية،مشرقة الآفاق،مصعدة بهذه البشرية إلى تلك القمة السامقة التي كانت يومذاك غريبة على العرب وعلى الدنيا كلها وما تزال غريبة في ما يسمونه

(1) - صحيح مسلم- المكنز - (6394 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت