هذا هو «الغيب» الذي يقف أمامه «العلم» البشري ويواجهه في القرن العشرين .. بينما الذين يعيشون على فتات القرون الماضية يزعمون أن «الغيبية» تنافي «العلمية» . وأن المجتمع الذي يريد أن يعيش بعقلية علمية ينبغي له أن يتخلص من العقلية الغيبية! ذلك بينما العلم البشري ذاته .. علم القرن العشرين .. يقول:إن كل ما يصل إليه من النتائج هو «الاحتمالات» ! وإن الحقيقة المستيقنة الوحيدة هي أن هنالك «غيبا» لا شك فيه! على أننا قبل أن نغادر هذه الوقفة المجملة أمام حقيقة الغيب،ينبغي أن نقول كلمة عن طبيعة «الغيب» في العقيدة الإسلامية،وفي التصور الإسلامي،وفي العقلية الإسلامية.
إن القرآن الكريم - وهو المصدر الأساسي للعقيدة الإسلامية التي تنشئ التصور الإسلامي والعقلية الإسلامية - يقرر أن هناك عالما للغيب وعالما للشهادة. فليس كل ما يحيط بالإنسان غيبا،وليس كل ما يتعامل معه من قوى الكون مجهولا ..
إن هنالك سننا ثابتة لهذا الكون يملك «الإنسان» أن يعرف منها القدر اللازم له،حسب طاقته وحسب حاجته،للقيام بالخلافة في هذه الأرض. وقد أودعه اللّه القدرة على معرفة هذا القدر من السنن الكونية وعلى تسخير قوى الكون وفق هذه السنن للنهوض بالخلافة،وتعمير الأرض،وترقية الحياة،والانتفاع بأقواتها وأرزاقها وطاقاتها ..
وإلى جانب هذه السنن الثابتة - في عمومها - مشيئة اللّه الطليقة لا تقيدها هذه السنن وإن كانت من عملها.
وهناك قدر اللّه الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها. فهي ليست آلية بحتة،فالقدر هو المسيطر على كل حركة فيها وإن جرت وفق السنة التي أودعها اللّه إياها. وهذا القدر الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها «غيب» لا يعلمه أحد علم يقين وأقصى ما يصل إليه الناس هو الظنون و «الاحتمالات» .. وهذا ما يعترف به العلم البشري أيضا ..
وإن ملايين الملايين من العمليات لتتم في كيان الإنسان في اللحظة الواحدة وكلها «غيب» بالقياس إليه،وهي تجري في كيانه! ومثلها ملايين ملايين العمليات التي تتم في الكون من حوله وهو لا يعلمها! وإن الغيب ليحيط بماضيه وماضي الكون. وحاضره وحاضر الكون. ومستقبله ومستقبل الكون .. وذلك مع وجود السنن الثابتة،التي يعرف بعضها،وينتفع بها انتفاعا علميا منظما في النهوض بعبء الخلافة.
وإن «الإنسان» ليجيء إلى هذا العالم على غير رغبة منه ولا علم بموعد قدومه! وإنه ليذهب عن هذا العالم على غير رغبة منه ولا علم بموعد رحيله! .. وكذلك كل شيء حي .. ومهما تعلم ومهما عرف،فإن هذا لن يغير من هذا الواقع شيئا! إن العقلية الإسلامية عقلية «غيبية علمية» لأن «الغيبية» هي «العلمية» بشهادة «العلم» والواقع .. أما التنكر للغيب فهو «الجهلية» التي يتعالم أصحابها وهم