فهرس الكتاب

الصفحة 1549 من 4997

ويضيف إلى ألوان العذاب الداخلة في قدرة اللّه والتي قد يأخذ العباد بها متى شاء لونا آخر بطيئا طويلا لا ينهي أمرهم كله في لحظة ولكنه يصاحبهم ويساكنهم ويعايشهم بالليل والنهار: «أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا،وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ» ..وهي صورة من العذاب المقيم الطويل المديد الذي يذوقونه بأيديهم،ويجرعونه لأنفسهم إذ يجعلهم شيعا وأحزابا،متداخلة لا يتميز بعضها عن بعض،ولا يفاصل بعضها بعضا،فهي أبدا في جدال وصراع،وفي خصومة ونزاع،وفي بلاء يصبه هذا الفريق. على ذاك ..

ولقد عرفت البشرية في فترات كثيرة من تاريخها ذلك اللون من العذاب،كلما انحرفت عن منهج اللّه وتركت لأهواء البشر ونزواتهم وشهواتهم وجهالتهم وضعفهم وقصورهم .. تصريف الحياة وفق تلك الأهواء والنزوات والشهوات والجهالة والضعف والقصور. وكلما تخبط الناس وهم يضعون أنظمة للحياة وأوضاعا وشرائع وقوانين وقيما وموازين من عند أنفسهم يتعبد بها الناس بعضهم بعضا ويريد بعضهم أن يخضع لأنظمته وأوضاعه وشرائعه وقوانينه البعض الآخر،والبعض الآخر يأبى ويعارض،وأولئك يبطشون بمن يأبى ويعارض. وتتصارع رغباتهم وشهواتهم وأطماعهم وتصوراتهم. فيذوق بعضهم بأس بعض،ويحقد بعضهم على بعض،وينكر بعضهم بعضا،لأنهم لا يفيئون جميعا إلى ميزان واحد يضعه لهم المعبود الذي يعنو له كل العبيد،حيث لا يجد أحدهم في نفسه استكبارا عن الخضوع له،ولا يحس في نفسه صغارا حين يخضع له.

إن الفتنة الكبرى في الأرض هي أن يقوم من بين العباد من يدعي حق الألوهية عليهم،ثم يزاول هذا الحق فعلا! إنها الفتنة التي تجعل الناس شيعا ملتبسة لأنهم من ناحية المظهر يبدون أمة واحدة أو مجتمعا واحدا،ولكن من ناحية الحقيقة يكون بعضهم عبيدا لبعض ويكون بعضهم في يده السلطة التي يبطش بها - لأنها غير مقيدة بشريعة من اللّه - ويكون بعضهم في نفسه الحقد والتربص .. ويذوق الذين يتربصون والذين يبطشون بعضهم بأس بعض! وهم شيع ولكنها ليست متميزة ولا منفصلة ولا مفاصلة! والأرض كلها تعيش اليوم في هذا العذاب البطيء المديد! وهذا يقودنا إلى موقف العصبة المسلمة في الأرض. وضرورة مسارعتها بالتميز من الجاهلية المحيطة بها - والجاهلية كل وضع وكل حكم وكل مجتمع لا تحكمه شريعة اللّه وحدها،ولا يفرد اللّه سبحانه بالألوهية والحاكمية - وضرورة مفاصلتها للجاهلية من حولها باعتبار نفسها أمة متميزة من قومها الذين يؤثرون البقاء في الجاهلية،والتقيد بأوضاعها وشرائعها وأحكامها وموازينها وقيمها.

إنه لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها هذا العذاب: «أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ» .. إلا بأن تنفصل هذه العصبة عقيديا وشعوريا ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها - حتى يأذن اللّه لها بقيام «دار إسلام» تعتصم بها - وإلا أن تشعر شعورا كاملا بأنها هي «الأمة المسلمة» وأن ما حولها ومن حولها،ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه،جاهلية وأهل جاهلية. وأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت