فهرس الكتاب
وهكذا يبدأ السياق بتقدمة لهذه القضية عن إحاطة مشيئة اللّه بالعباد جميعا:جنهم وإنسهم. وجريان الأحداث في هذه العوالم بمشيئته وقدره واستدراجه لأعداء الرسل من شياطين الإنس والجن وإمهاله لهم،ليقترفوا ما هم مقترفون ولو شاء اللّه لقهرهم على الهدى ولكفهم عن الضلال قهرا أو لهداهم إلى الحق وشرح صدورهم له. أو لكفهم عن أذى الرسل والمؤمنين فلم يصلوا إليهم. فهم لا يعادون الرسل،ولا يقترفون ما يقترفون،خروجا على سلطان اللّه ومشيئته فهم أعجز من أن يخرجوا على سلطان اللّه ومشيئته. إنما هي مشيئة اللّه اقتضت أن يترك لهم الخيار والقدرة على الهدى وعلى الضلال وهم في قبضته على كل حال: «وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن،يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا،ولو شاء ربك ما فعلوه،فذرهم وما يفترون. ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة،وليرضوه،وليقترفوا ما هم مقترفون» ..
فإذا تقرر أن عداء شياطين الإنس والجن للرسل سنة يجري بها قدر اللّه. وأن هؤلاء الشياطين،على كل ما يرتكبونه،هم في قبضة اللّه. استنكر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يبتغي «حكما» غير اللّه .. هكذا على الإطلاق،في أي شأن وفي أي أمر .. ذلك أن تحكيم غير اللّه في شأن هذه المطاعم هو كالتحكيم لغير اللّه في كل شأن. وهو إقامة ربوبية غير ربوبية اللّه ينكرها رسول اللّه .. وأعقب ذلك تقرير أن كلمة ربه قد تمت بهذا الكتاب وبهذه الشريعة فلم يعد هناك قول لقائل،ولا حكم لبشر. وحذر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يطيع البشر في دين اللّه فإن أكثرهم لا يتبعون إلا الظن ولا علم عندهم يستيقن ومن يطعهم يضلوه.
واللّه وحده هو الذي يعلم الضالين والمهتدين من عباده .. وكان ذلك كله تمهيدا للأمر بالأكل مما ذكر اسم اللّه عليه أن كان المسلمون مؤمنين،والنهي عن الأكل مما لم يذكر اسم اللّه عليه. وتحذيرهم أن يطيعوا أولياء الشياطين في شيء من التحليل والتحريم. وإلا فهم مثلهم مشركون:وأنهيت الفقرة ببيان عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان،والدوافع التي تدفع بالكافرين إلى هذا الذي يقترفون:« أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا