فهرس الكتاب

الصفحة 1621 من 4997

ثم يستأنف الحديث في قضية التحليل والتحريم فيربطها مباشرة بقضية الإسلام والشرك: «وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ - وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ .. وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ» ..

ثم يمضي بعد ذلك شوطا آخر في الحديث عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان .. شوطا كأنه تعقيب على أمر التحليل والتحريم.ومن هذا التتابع،وهذا الربط،وهذا التوكيد،تتمثل طبيعة نظرة الإسلام لقضية التشريع والحاكمية،في شؤون الحياة اليومية .. «أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا،وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا،وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ،فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» ..

إنه سؤال على لسان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - للاستنكار. استنكار أن يبتغي حكما غير اللّه في شأن من الشؤون على الإطلاق. وتقرير لجهة الحاكمية في الأمر كله،وإفرادها بهذا الحق الذي لا جدال فيه.

ونفي أن يكون هناك أحد غير اللّه يجوز أن يتجه إليه طالبا حكمه في أمر الحياة كله: «أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا؟» ..ثم .. تفصيل لهذا الإنكار،وللملابسات التي تجعل تحكيم غير اللّه شيئا مستنكرا غريبا .. إن اللّه لم يترك شيئا غامضا ولم يجعل العباد محتاجين إلى مصدر آخر،يحكمونه في ما يعرض لهم من مشكلات الحياة: «وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا» ..

لقد نزل هذا الكتاب ليحكم بالعدل بين الناس فيما اختلفوا فيه،ولتتمثل فيه حاكمية اللّه وألوهيته. ثم لقد نزل هذا الكتاب مفصلا،محتويا على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحياة جملة. كما أنه تضمن أحكاما تفصيلية في المسائل التي يريد اللّه تثبيتها في المجتمع الإنساني مهما اختلفت مستوياته الاقتصادية والعلمية والواقعية جملة .. وبهذا وذلك كان في هذا الكتاب غناء عن تحكيم غير اللّه في شأن من شؤون الحياة .. هذا ما يقرره اللّه - سبحانه - عن كتابه. فمن شاء أن يقول:إن البشرية في طور من أطوارها لا تجد في هذا الكتاب حاجتها فليقل .. ولكن ليقل معه .. إنه - والعياذ باللّه - كافر بهذا الدين،مكذب بقول رب العالمين! ثم إن هناك من حولهم ملابسة أخرى تجعل ابتغاء غير اللّه حكما في شأن من الشؤون أمرا مستنكرا غريبا ..

إن الذين أوتوا الكتاب من قبل يعلمون أن هذا الكتاب منزل من عند اللّه،وهم أعرف بالكتاب لأنهم من أهل الكتاب: «وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ» ..

ولقد كانت هذه ملابسة حاضرة في مكة وفي الجزيرة،يخاطب اللّه بها المشركين .. سواء أقر أهل الكتاب بها وجهروا - كما وقع من بعضهم ممن شرح اللّه صدره للإسلام - أو كتموها وجحدوها - كما وقع من بعضهم - فالأمر في الحالين واحد وهو إخبار اللّه سبحانه - وخبره هو الصدق - أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربه بالحق .. فالحق محتواه كما أن الحق متلبس بتنزيله من اللّه ..

وما يزال أهل الكتاب يعلمون أن هذا الكتاب منزل من اللّه بالحق. وما يزالون يعلمون أن قوة هذا الدين إنما تنبثق من هذا الحق الذي يتلبس به،ومن هذا الحق الذي يحتويه. وما يزالون - من أجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت