فهرس الكتاب

الصفحة 1650 من 4997

فيها هذا التصرف ..فإن هي إلا أشكال .. «وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ،وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ. فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ» .

يقول:وكما زين الشركاء والشياطين لهم ذلك التصرف في أموالهم كذلك زينوا لهم قتل أولادهم .. وذلك ما كانوا يفعلونه من وأد البنات خشية الإملاق - أو خشية السبي والعار - ومن قتل بعض الأبناء في النذر للآلهة كالذي روي عن عبد المطلب من نذره ذبح أحد ولده،إن رزقه اللّه بعشرة منهم يحمونه ويمنعونه! وظاهر أن هذا وذاك كان يوحي به عرف الجاهلية. العرف الذي وضعه الناس للناس. والشركاء المذكورون هنا هم شياطين الإنس والجن .. من الكهنة والسدنة والرؤساء من الإنس،ومن القرناء الموسوسين من الجن،بالتعاون والموالاة فيما بينهم! والنص يصرح بالهدف الكامن وراء التزيين: «لِيُرْدُوهُمْ،وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ» .

ليهلكوهم وليجعلوا دينهم عليهم ملتبسا غامضا لا يقفون منه على تصور واضح .. فأما الهلاك فيتمثل ابتداء في قتلهم لأولادهم ويتمثل أخيرا في فساد الحياة الاجتماعية بجملتها،وصيرورة الناس ماشية ضالة يوجهها رعاتها المفسدون حيثما شاءوا،وفق أهوائهم ومصالحهم! حتى ليتحكمون في أنفسهم وأولادهم وأموالهم بالقتل والهلاك،فلا تجد هذه الغنم الضالة لها مفرا من الخضوع. لأن التصورات المتلبسة بالدين والعقيدة - وما هي منها - بكل ثقلها وعمقها،تتعاون مع العرف الاجتماعي المنبثق منها،وتنشئ ثقلا ساحقا لا تقف له جماهير الناس. ما لم تعتصم منه بدين واضح وما لم ترجع في أمرها كله إلى ميزان ثابت.

وهذه التصورات المبهمة الغامضة وهذا العرف الاجتماعي الذي ينبثق منها،ويضغط على جمهرة الناس بثقله الساحق .. لا ينحصر في تلك الصور التي عرفتها الجاهليات القديمة. فنحن نشهده اليوم بصورة أوضح في الجاهليات الحديثة .. هذه العادات والتقاليد التي تكلف الناس العنت الشديد في حياتهم،ثم لا يجدون لأنفسهم منها مفرا .. هذه الأزياء والمراسم التي تفرض نفسها على الناس فرضا،وتكلفهم أحيانا ما لا يطيقون من النفقة،وتأكل حياتهم واهتماماتهم،ثم تفسد أخلاقهم وحياتهم. ومع ذلك لا يملكون إلا الخضوع لها .. أزياء الصباح،وأزياء بعد الظهر،وأزياء المساء .. الأزياء القصيرة،والأزياء الضيقة،والأزياء المضحكة! وأنواع الزينة والتجميل والتصفيف ... إلى آخر هذا الاسترقاق المذلّ .. من الذي يصنعه ومن الذي يقف وراءه؟

تقف وراءه بيوت الأزياء. وتقف وراءه شركات الإنتاج! ويقف وراءه المرابون في بيوت المال والبنوك من الذين يعطون أموالهم للصناعات ليأخذوا هم حصيلة كدها! ويقف وراءه اليهود الذين يعملون لتدمير البشرية كلها ليحكموها! .. ولكنهم لا يقفون بالسلاح الظاهر والجند المكشوف،إنما يقفون بالتصورات والقيم التي ينشئونها،ويؤصلونها بنظريات وثقافات «1» ويطلقونها تضغط على الناس في صورة (عرف اجتماعي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت