ويتحدث عن الآخرة وقواعد الدينونة والجزاء فيها.
ويتحدث عن المفاصلة بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقومه الذين يعدلون بربهم ويتخذون من دونه أربابا يشرعون لهم. ويوجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى إعلان حقيقة دينه جلية واضحة حاسمة.
ويتحدث عن الربوبية الواحدة للعالمين جميعا،والتي لا يجوز أن يتخذ المؤمن من دونها ربوبية أخرى.
ويتحدث عن ملكية رب العالمين لكل شيء،وتصريفها لكل شيء،وعن استخلاف اللّه للناس كيف شاء،وقدرته على الذهاب بمن يشاء منهم عند ما يشاء.
وهذه هي ذاتها القضايا والحقائق،والمؤثرات والموحيات التي حشدها في أول السورة عند عرض حقيقة العقيدة في محيطها الشامل. محيط الألوهية والعبودية وما بينهما من علائق .. ولا ريب أن لهذا دلالته التي لا تخفى على من يتعامل مع القرآن الكريم ومع المنهج القرآني.
يبدأ هذا المقطع الأخير في هذا الشطر من السورة بالحديث عن كتاب موسى .. وذلك تكملة للحديث السابق عن صراط اللّه المستقيم: «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» للإيحاء بأن هذا الصراط ممتد من قبل في رسالات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وشرائعهم. وأقرب شريعة كانت هي شريعة موسى عليه السلام وقد أعطاه اللّه كتابا فصل فيه كل شيء،وجعله هدى ورحمة لعل قومه يؤمنون بلقاء اللّه في الآخرة: «ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ،وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيء،وَهُدىً وَرَحْمَةً،لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ» .
ويستمر فيذكر الكتاب الجديد المبارك،الملتحم بالكتاب الذي أنزل على موسى،المتضمن للعقيدة وللشريعة المطلوب اتباعها والتقوى فيها،رجاء أن ينال الناس - حين يتبعونها - رحمة اللّه في الدنيا والآخرة: «وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ،فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» ..
ولقد نزل هذا الكتاب قطعا لحجة العرب،كي لا يقولوا:إنه لم يتنزل علينا كتاب كالذي تنزل على اليهود والنصارى ولو قد أوتينا الكتاب مثلما أوتوا لكنا أهدى منهم،فها هو ذا كتاب يتنزل عليهم،ويقطع هذه الحجة عليهم،فيستحق الذين يكذبون العذاب الأليم: «أَنْ تَقُولُوا:إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا. وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا:لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ ... فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ،وَهُدىً وَرَحْمَةٌ،فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها؟ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ» ..
لقد انقطعت المحجة بنزول هذا الكتاب ولكنهم ما يزالون يشركون باللّه ويشرعون من عند أنفسهم ويزعمونه شريعة اللّه،بينما كتاب اللّه قائم وليس فيه هذا الذي يفترونه. وما يزالون يطلبون الآيات والخوارق ليصدقوا بهذا الكتاب ويتبعوه. ولو جاءتهم الآيات التي يطلبون أو بعضها لكان فيها القضاء الأخير:«هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ؟ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ