وبهذا المشهد في نقطة الانطلاق يتحدد مصير الرحلة كلها،ومصائر المرتحلين جميعا .. وتلوح طلائع المعركة الكبرى التي لا تهدأ لحظة طوال الرحلة،بين هذا العدو الجاهر بالعداوة،وبني آدم جميعا. كما تلوح نقط الضعف في الكائن الإنساني جملة،ومنافذ الشيطان إليه منها.
ومن ثم يتخذ السياق من المشهد مناسبة للتعقيب الطويل،بالإنذار والتحذير .. تحذير بني آدم مما جرى لأبويهم من هذا العدو العنيد .. وفي ظل هذا المشهد الذي يقف فيه الشيطان وجها لوجه مع آدم وزوجه أبوي البشر. وفي ظل النتيجة التي انتهى إليها الشوط الأول في المعركة يتوجه السياق بالخطاب إلى بني آدم،يذكرهم وينذرهم،ويحذرهم مصيرا كهذا المصير: «يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا،وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ،ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ .. يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ،يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما،إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ،إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» ..
«يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» ..
ولا بد أن نلحظ أن مشهد العري بعد ارتكاب المحظور،والخصف من ورق الجنة ثم هذا التعقيب بتذكير بني آدم بنعمة اللّه في إنزال اللباس الذي يواري سوآتهم والرياش الذي يتزينون به،وتحذيرهم من فتنة الشيطان لهم لينزع عنهم لباسهم وريشهم كما نزعه عن أبويهم .. لا بد أن نلحظ أن ذكر هذه الحلقة من القصة والتعقيب عليها على هذا النحو إنما يواجه حالة واقعة في المجتمع الجاهلي العربي المشرك حيث كانوا تحت تأثير أساطير وتقاليد معينة يطوفون بالبيت عرايا،ويحرمون أنواعا من الثياب،وأنواعا من الطعام في فترة الحج. ويزعمون أن هذا من شرع اللّه،وأن اللّه قد حرم عليهم هذا الذي يحرمونه على أنفسهم ..
ومن ثم يجيء في استعراض قصة البشرية،وفي التعقيب عليها ما يناسب ويواجه هذه الحالة الواقعية في الجاهلية .. وفي كل جاهلية في الحقيقة .. أليست سمة كل جاهلية هي التعري والكشف وقلة الحياء من اللّه وقلة التقوى؟
وهذا يدلنا على سمة من سمات المنهج القرآني جديرة بالتأمل .. إنه حتى القصص في القرآن لا يسرد إلا لمواجهة حالة واقعة بالفعل. ولأنه يواجه - في كل مرة - حالة معينة،فإن الحقيقة التي تذكر منه والحلقة التي تعرض في موضع من المواضع،تعرض بقدر الحالة الواقعة التي يواجهها النص حينذاك وفي جوها ..