فهرس الكتاب

الصفحة 1726 من 4997

إنه يناديهم أن يأخذوا زينتهم من اللباس الذي أنزله اللّه عليهم. وهو الرياش. عند كل عبادة ومنها الطواف الذي يزاولونه عرايا،ويحرمون اللباس الذي لم يحرمه اللّه،بل أنعم به على العباد. فأولى أن يعبدوه بطاعته فيما أنزل لهم،لا نجلعه ولا بالفحش الذي يزاولونه: «يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» ..ويناديهم كذلك ليتمتعوا بالطيبات من الطعام والشراب دون إسراف: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا. إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» .

وقد ورد أنه كان هناك تحريم في الطعام كالتحريم في الثياب. وكان هذا من مبتدعات قريش كذلك! في صحيح مسلم عَنْ عروة قَالَ كَانَتِ الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً إِلاَّ الْحُمْسَ وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً إِلاَّ أَنْ تُعْطِيَهُمُ الْحُمْسُ ثِيَابًا فَيُعْطِى الرِّجَالُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ وَكَانَتِ الْحُمْسُ لاَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ وَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ يَبْلُغُونَ عَرَفَاتٍ.

قَالَ هِشَامٌ فَحَدَّثَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتِ الْحُمْسُ هُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) قَالَتْ كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ وَكَانَ الْحُمْسُ يُفِيضُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ يَقُولُونَ لاَ نُفِيضُ إِلاَّ مِنَ الْحَرَمِ فَلَمَّا نَزَلَتْ (أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ." [1] .."

وجاء في تفسير القرطبي المسمى «أحكام القرآن» : « وقيل:إن العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسما في أيام حجهم،ويكتفون باليسير من الطعام،ويطوفون عراة. فقيل لهم: {آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} أي في تحريم ما لم يحرم عليكم. » [2] ..

والإسراف يكون بتجاوز الحد،كما قد يكون بتحريم الحلال. كلاهما تجاوز للحد. هذا باعتبار ،وذاك باعتبار .

ولا يكتفي السياق بالدعوة إلى اتخاذ الزينة عند كل مسجد،وإلى الاستمتاع بالطيب من الطعام والشراب.بل يستنكر تحريم هذه الزينة التي أخرجها اللّه لعباده،وتحريم الطيبات من الرزق. فمن المستنكر أن يحرم أحد - برأيه - ما أخرجه اللّه للناس من الزينة أو من الطيبات. فتحريم شيء أو تحليله لا يكون إلا بشرع من اللّه: «قُلْ:مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ» ؟

ويتبع الاستنكار بتقرير أن هذه الزينة من اللباس،وهذه الطيبات من الرزق،هي حق للذين آمنوا - بحكم إيمانهم بربهم الذي أخرجها لهم - ولئن كان سواهم يشاركهم فيها في هذه الدنيا،فهي خالصة لهم يوم القيامة لا يشاركهم فيها الذين كفروا: «قُلْ:هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا،خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ» ..ولن يكون الشأن كذلك،ثم تكون محرمة عليهم فما يخصهم اللّه في الآخرة بشيء هو حرام! «كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» .

(1) - صحيح مسلم- المكنز - (3014 )

(2) - تفسير القرطبي ـ موافق للمطبوع - (7 / 195)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت