فهرس الكتاب

الصفحة 1744 من 4997

معينة لذاته تعالى. ومتى توقف عن إنشاء صورة معينة لذاته العلية فإنه يتوقف تبعا لذلك عن تصور كيفيات أفعاله جميعا. ولم يبق أمامه إلا مجال تدبر آثار هذه الأفعال في الوجود من حوله .. وهذا هو مجاله ..

ومن ثم تصبح أسئلة كهذه:كيف خلق اللّه السماوات والأرض؟ كيف استوى على العرش؟ كيف هذا العرش الذي استوى عليه اللّه سبحانه؟! ... تصبح هذه الأسئلة وأمثالها لغوا يخالف توجيهها قاعدة الاعتقاد الإسلامي. أما الإجابة عليها فهي اللغو الأشد الذي لا يزاوله من يدرك تلك القاعدة ابتداء! ولقد خاضت الطوائف - مع الأسف - في هذه المسائل خوضا شديدا في تاريخ الفكر الإسلامي،بالعدوى الوافدة على هذا الفكر من الفلسفة الإغريقية! فأما الأيام الستة التي خلق اللّه فيها السماوات والأرض،فهي كذلك غيب لم يشهده أحد من البشر ولا من خلق اللّه جميعا: «ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ» .. وكل ما يقال عنها لا يستند إلى أصل مستيقن.

إنها قد تكون ست مراحل. وقد تكون ستة أطوار. وقد تكون ستة أيام من أيام اللّه التي لا تقاس بمقاييس زماننا الناشئ من قياس حركة الأجرام - إذ لم تكن قبل الخلق هذه الأجرام التي نقيس نحن بحركتها الزمان! ..

وقد تكون شيئا آخر .. فلا يجزم أحد ماذا يعني هذا العدد على وجه التحديد .. وكل حمل لهذا النص ومثله على «تخمينات» البشرية التي لا تتجاوز مرتبة الفرض والظن - باسم «العلم!» - هو محاولة تحكمية،منشؤها الهزيمة الروحية أمام «العلم» الذي لا يتجاوز في هذا المجال درجة الظنون والفروض!

ونخلص نحن من هذه المباحث التي لا تضيف شيئا إلى هدف النص ووجهته. لنرتاد مع النصوص الجميلة تلك الرحلة الموحية في أقطار الكون المنظور،وفي أسراره المكنونة: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ،ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ،يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا،وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ. أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ. تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» ..

إن اللّه الذي خلق هذا الكون المشهود في ضخامته وفخامته. والذي استعلى على هذا الكون يدبره بأمره ويصرفه بقدره. يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا .. في هذه الدورة الدائبة:دورة الليل يطلب النهار في هذا الفلك الدوار. والذي جعل الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره .. إن اللّه الخالق المهيمن المصرف المدبر،هو «ربكم» .. هو الذي يستحق أن يكون ربا لكم. يربيكم بمنهجه،ويجمعكم بنظامه،ويشرع لكم بإذنه،ويقضي بينكم بحكمه .. إنه هو صاحب الخلق والأمر .. وكما أنه لا خالق معه. فكذلك لا آمر معه ..

هذه هي القضية التي يستهدفها هذا الاستعراض .. قضية الألوهية والربوبية والحاكمية،وإفراد اللّه سبحانه بها .. وهي قضية العبودية من البشر في شريعة حياتهم. فهذا هو الموضوع الذي يواجهه سياق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت