فهرس الكتاب

الصفحة 1751 من 4997

في هذه الأرض .. ويتعامل مع بعضه البعض .. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك،وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم ..

وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط،يجري تاريخه .. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية،ومن التعامل مع قدر اللّه في النهاية .. من هذا كله يتكون تاريخه .. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.

والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيرا «اقتصاديا» أو «سياسيا» . والذين يفسرونه تفسيرا «بيولوجيا» .

والذين يفسرونه تفسيرا «روحيا» أو «نفسيا» . والذين يفسرونه تفسيرا «عقليا» ... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة،والعوالم المتباعدة،التي يتعامل معها الإنسان ويتألف من تعامله معها تاريخه .. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع،ويحيط به وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله. [1]

ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم .. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى .. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية .. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له والبارئ العظيم يعلن ميلاده .. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه .. وشهدنا مهبطه إلى الأرض .. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية ..

ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمنا بربه مستغفرا لذنبه مأخوذا عليه عهد الخلافة:أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى،مزودا بتلك التجربة الأولى في حياته ..

ثم مضى به الزمن وتقاذفته الأمواج في الخضم وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته

وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية!!! إنه ينسى .. وقد نسي .. إنه يضعف .. وقد ضعف .. إن الشيطان يغلبه .. وقد غلبه .. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى!!! لقد هبط إلى هذه الأرض مهتديا تائبا موحدا .. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالا مفتريا مشركا!!! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم .. ولكن هنا لك معلما في طريقه .. هنا لك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده! وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان،يرفع أعلامه رسل اللّه الكرام:نوح. وهود.وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات اللّه وسلامه عليهم جميعا

(1) - يراجع فصل: «حقيقة الإنسان» في كتاب: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» القسم الثاني. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت