فهرس الكتاب
يتصدق به هؤلاء الجبابرة عليهم من المسامحات والضمانات! ومن هنا يظهر ما للإمامة الصالحة وإقامة نظام الحق من أهمية خطيرة تجعلها من غايات الدين وأسسه. والحق أن الإنسان لا يمكنه أن يبلغ رضى اللّه تعالى بأي عمل من أعماله إذا تناسى هذه الفريضة وتقاعس عن القيام بها .. ألم تروا ما جاء في الكتاب والسنة من ذكر الجماعة ولزومها والسمع والطاعة،حتى إن الإنسان ليستوجب القتل إذا خرج من الجماعة - ولو قيد شعرة - وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. وهل لذلك من سبب سوى أن غرض الدين الحقيقي وهدفه إنما هو إقامة نظام الحق،والإمامة الراشدة وتوطيد دعائمه في الأرض. وكل ذلك يتوقف تحققه على القوة الجماعية،والذي يضعضع القوة الجماعية ويفت في عضدها،يجني على الإسلام وأهله جناية لا يمكن جبرها وتلافيها بالصلاة ولا بالإقرار بكلمة التوحيد .. ثم انظروا إلى ما كسب «الجهاد» من المنزلة العالية والمكانة الرفيعة في الدين،حتى إن القرآن ليحكم «بالنفاق» على الذين ينكلون عنه ويثاقلون إلى الأرض. ذلك أن «الجهاد» هو السعي المتواصل والكفاح المستمر في سبيل إقامة نظام الحق،ليس غير. وهذا الجهاد هو الذي يجعله القرآن ميزانا يوزن به إيمان الرجل وإخلاصه للدين. وبعبارة أخرى أنه من كان يؤمن باللّه ورسوله لا يمكنه أن يرضى بتسلط النظام الباطل،أو يقعد عن بذل نفسه وماله في سبيل إقامة نظام الحق .. فكل من يبدو في أعماله شيء من الضعف والاستكانة في هذا الباب،فاعلم أنه مدخول في إيمانه،مرتاب في أمره،فكيف ينفعه عمل من أعماله بعد ذلك؟» ...
... «إن إقامة الإمامة الصالحة في أرض اللّه لها أهمية جوهرية وخطورة بالغة في نظام الإسلام. فكل من يؤمن باللّه ورسوله ويدين دين الحق،لا ينتهي عمله بأن يبذل الجهد المستطاع لإفراغ حياته في قالب الإسلام،ولا تبرأ ذمته من ذلك فحسب،بل يلزمه بمقتضى ذلك الإيمان أن يستنفد جميع قواه ومساعيه في انتزاع زمام الأمر من أيدي الكافرين والفجرة والظالمين حتى يتسلمه رجال ذوو صلاح ممن يتقون اللّه،ويرجون حسابه،ويقوم في الأرض ذلك النظام الحق المرضيّ عند اللّه الذي به صلاح أمور الدنيا وقوام شؤونها» [1] ..
إن الإسلام حين يدعو الناس إلى انتزاع السلطان من أيدي غاصبيه من البشر ورده كله للّه،إنما يدعوهم لإنقاذ إنسانيتهم وتحرير رقابهم من العبودية للعبيد كما يدعوهم إلى إنقاذ أرواحهم وأموالهم من هوى الطواغيت وشهواتهم .. إنه يكلفهم أعباء المعركة مع الطاغوت - تحت رايته - بكل ما فيها من تضحيات ولكنه ينقذهم من تضحيات أكبر وأطول،كما أنها أذل وأحقر! .. إنه يدعوهم للكرامة،وللسلامة،في آن ..لذلك قالها شعيب عليه السلام مدوية حاسمة: «قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها،وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها ..» ..
(1) - مقتطفات من مقدمات كتاب «الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية» للسيد أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان. ( السيد رحمه الله )