فهرس الكتاب

الصفحة 1775 من 4997

«أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ،وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ» ..

وينتهي هذا التعقيب بلفتة إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عن هذا القصص وتلخيص لأمر الأقوام التي كذبت من قبل ووصف لحقيقة حالهم ونسيانهم لعهد اللّه معهم على الاعتراف بألوهيته ووحدانيته وعدم جدوى الآيات والبينات والخوارق التي جاءهم بها رسلهم،بسبب تعطل فطرتهم وغفلة قلوبهم: «تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها. وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ،فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ. كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ. وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ،وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ» ..

وبعد هذه الوقفة للتعقيب على مصارع قوم نوح،وقوم هود،وقوم صالح،وقوم لوط،وقوم شعيب ..تجيء قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه أولا ثم مع قومه بني إسرائيل أخيرا .. وتشغل قصة موسى في هذه السورة أوسع مساحة وأكبر قدر شغلته في سورة واحدة من سور القرآن كلها .. وقد وردت حلقات من قصة بني إسرائيل في مواضع كثيرة وذلك عدا الإشارات القصيرة إليها في مواضع من القرآن أخرى .. وكانت أكثر القصص ورودا في القرآن كله .. ولعل ذلك التفصيل في قصة هذه الأمة كان للحكمة التي أشرنا إليها من قبل - على النحو التالي [1] :

«من جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أول من واجه الدعوة الإسلامية بالعداء والكيد والحرب في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها. فقد كانوا حربا على الجماعة المسلمة منذ اليوم الأول. هم الذين احتضنوا النفاق والمنافقين في المدينة وأمدوهم بوسائل الكيد للعقيدة وللمسلمين معا. وهم الذين حرضوا المشركين وواعدوهم وتآمروا معهم على الجماعة المسلمة. وهم الذين تولوا حرب الإشاعات والدس والكيد في الصف المسلم كما تولوا بث الشبهات والشكوك والتحريفات حول العقيدة وحول القيادة. وذلك كله قبل أن يسفروا بوجوههم في الحرب المعلنة الصريحة .. فلم يكن بد من كشفهم للجماعة المسلمة،لتعرف من هم أعداؤها:ما طبيعتهم؟ وما تاريخهم؟ وما وسائلهم؟ وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم؟

«ولقد علم اللّه أنهم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله كما كانوا أعداء هدى اللّه في ماضيهم كله. فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفا ووسائلهم كلها مكشوفة.

« ومن جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أصحاب آخر دين قبل دين اللّه الأخير. وقد امتد تاريخهم قبل الإسلام فترة طويلة ووقعت الانحرافات في عقيدتهم،ووقع منهم النقض المتكرر لميثاق اللّه معهم ووقع في حياتهم آثار هذا النقض وهذا الانحراف،كما وقع في أخلاقهم وتقاليدهم .. فاقتضى

(1) - في هذه الظلال - في الجزء السادس في صفحتي 868 - 869 ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت