دواعي الحرص واليقظة،واتقاء العاقبة التي لا تتخلف،جزاء وفاقا على اتجاههم وكسبهم. فمن لم يتيقظ،ومن لم يتحرج،ومن لم يتق،فهو الذي يظلم نفسه،ويعرضها لبأس اللّه الذي لا يرد. ولن تظلم نفس شيئا.
«وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ،وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» ..
فذلك هو الطرف الآخر لسنة اللّه الجارية. فلو أن أهل القرى آمنوا بدل التكذيب،واتقوا بدل الاستهتار لفتح اللّه عليهم بركات من السماء والأرض .. هكذا .. «بركات من السماء والأرض» مفتوحة بلا حساب. من فوقهم ومن تحت أرجلهم. والتعبير القرآني بعمومه وشموله يلقي ظلال الفيض الغامر،الذي لا يتخصص بما يعهده البشر من الأرزاق والأقوات ..
وأمام هذا النص - والنص الذي قبله - نقف أمام حقيقة من حقائق العقيدة وحقائق الحياة البشرية والكونية سواء. وأمام عامل من العوامل المؤثرة في تاريخ الإنسان،تغفل عنه المذاهب الوضعية وتغفله كل الإغفال.بل تنكره كل الإنكار! ..
إن العقيدة الإيمانية في اللّه،وتقواه،ليست مسألة منعزلة عن واقع الحياة،وعن خط تاريخ الإنسان.
إن الإيمان باللّه،وتقواه،ليؤهلان لفيض من بركات السماء والأرض. وعدا من اللّه. ومن أوفى بعهده من اللّه؟ ونحن - المؤمنين باللّه - نتلقى هذا الوعد بقلب المؤمن،فنصدقه ابتداء،لا نسأل عن علله وأسبابه ولا نتردد لحظة في توقع مدلوله .. نحن نؤمن باللّه - بالغيب - ونصدق بوعده بمقتضى هذا الإيمان ..
ثم ننظر إلى وعد اللّه نظرة التدبر - كما يأمرنا إيماننا كذلك - فنجد علته وسببه! إن الإيمان باللّه دليل على حيوية في الفطرة وسلامة في أجهزة الاستقبال الفطرية وصدق في الإدراك الإنساني،وحيوية في البنية البشرية،ورحابة في مجال الإحساس بحقائق الوجود .. وهذه كلها من مؤهلات النجاح في الحياة الواقعية.
والإيمان باللّه قوة دافعة دافقة،تجمع جوانب الكينونة البشرية كلها،وتتجه بها إلى وجهة واحدة،وتطلقها تستمد من قوة اللّه،وتعمل لتحقيق مشيئته في خلافة الأرض وعمارتها،وفي دفع الفساد والفتنة عنها،وفي ترقية الحياة ونمائها .. وهذه كذلك من مؤهلات النجاح في الحياة الواقعية.
والإيمان باللّه تحرر من العبودية للهوى ومن العبودية للعبيد. وما من شك أن الإنسان المتحرر بالعبودية للّه،أقدر على الخلافة في الأرض خلافة راشدة صاعدة. من العبيد للهوى ولبعضهم بعضا! وتقوى اللّه يقظة واعية تصون من الاندفاع والتهور والشطط والغرور،في دفعة الحركة ودفعة الحياة
وتوجه الجهد البشري في حذر وتحرج،فلا يعتدي،ولا يتهور،ولا يتجاوز حدود النشاط الصالح.