فهرس الكتاب

الصفحة 1803 من 4997

وحسبنا أن يقرر القرآن أنه سحر عظيم،لندرك أي سحر كان. وحسبنا أن نعلم أنهم سحروا «أعين الناس» وأثاروا الرهبة في قلوبهم: «واسترهبوهم» لنتصور أي سحر كان. ولفظ «استرهب» ذاته لفظ مصور.

فهم استجاشوا إحساس الرهبة في الناس وقسروهم عليه قسرا. ثم حسبنا أن نعلم من النص القرآني الآخر في سورة طه،أن موسى عليه السلام قد أوجس في نفسه خيفة لنتصور حقيقة ما كان! ولكن مفاجأة أخرى تطالع فرعون وملأه،وتطالع السحرة الكهنة،وتطالع جماهير الناس في الساحة الكبرى التي شهدت ذلك السحر العظيم: «وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ،فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ. فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. فَغُلِبُوا هُنالِكَ،وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ» ..

إنه الباطل ينتفش،ويسحر العيون،ويسترهب القلوب،ويخيل إلى الكثيرين أنه غالب،وأنه جارف،وأنه محيق! وما هو إلا أن يواجه الحق الهادئ الواثق حتى ينفثىء كالفقاعة،وينكمش كالقنفذ،وينطفىء كشعلة الهشيم! وإذا الحق راجح الوزن،ثابت القواعد،عميق الجذور .. والتعبير القرآني هنا يلقي هذه الظلال،وهو يصور الحق واقعا ذا ثقل: «فوقع الحق» .. وثبت،واستقر .. وذهب ما عداه فلم يعد له وجود: «وبطل ما كانوا يعملون» .. وغلب الباطل والمبطلون وذلوا وصغروا وانكمشوا بعد الزهو الذي كان يبهر العيون: «فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ» ..

ولكن المفاجأة لم تختم بعد. والمشهد ما يزال يحمل مفاجأة أخرى .. مفاجأة كبرى ..

«وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ. قالُوا:آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ. رَبِّ مُوسى وَهارُونَ» .. إنها صولة الحق في الضمائر. ونور الحق في المشاعر،ولمسة الحق للقلوب المهيأة لتلقي الحق والنور واليقين ..

إن السحرة هم أعلم الناس بحقيقة فنهم،ومدى ما يمكن أن يبلغ إليه. وهم أعرف الناس بالذي جاء به موسى إن كان من السحر والبشر،أم من القدرة التي وراء مقدور البشر والسحر. والعالم في فنه هو أكثر الناس استعدادا للتسليم بالحقيقة فيه حين تتكشف له،لأنه أقرب إدراكا لهذه الحقيقة،ممن لا يعرفون في هذا الفن إلا القشور .. ومن هنا تحول السحرة من التحدي السافر إلى التسليم المطلق،الذي يجدون برهانه في أنفسهم عن يقين ..

ولكن الطواغيت المتجبرين لا يدركون كيف يتسرب النور إلى قلوب البشر ولا كيف تمازجها بشاشة الإيمان ولا كيف تلمسها حرارة اليقين. فهم لطول ما استعبدوا الناس يحسبون أنهم يملكون تصريف الأرواح وتقليب القلوب - وهي بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء - .. ومن ثم فوجىء فرعون بهذا الإيمان المفاجئ الذي لم يدرك دبيبه في القلوب ولم يتابع خطاه في النفوس ولم يفطن إلى مداخله في شعاب الضمائر .. ثم هزته المفاجأة الخطيرة التي تزلزل العرش من تحته:مفاجأة استسلام السحرة - وهم من كهنة المعابد - لرب العالمين. رب موسى وهارون. بعد أن كانوا مجموعين لإبطال دعوة موسى وهارون إلى رب العالمين! .. والعرش والسلطان هما كل شيء في حياة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت