فرعون يكبر عليهم أن يذهب موسى ناجيا والذين آمنوا معه - وما آمن له إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم. كما جاء في موضع آخر من القرآن - فإذا الملأ يتناجون بالشر والإثم،وهم يهيجون فرعون على موسى ومن معه ويخوفونه عاقبة التهاون في أمرهم من ضياع الهيبة والسلطان باستشراء العقيدة الجديدة،في ربوبية اللّه للعالمين. فإذا هو هائج مائج،مهدد متوعد،مستعز بالقوة الغاشمة التي بين يديه،وبالسلطان المادي الذي يرتكن إليه! «وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ:أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ؟ قالَ:سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ،وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ،وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ» ..
إن فرعون لم يكن يدعي الألوهية بمعنى أنه هو خالق هذا الكون ومدبره أو أن له سلطانا في عالم الأسباب الكونية. إنما كان يدعي الألوهية على شعبه المستذل! بمعنى أنه هو حاكم هذا الشعب بشريعته وقانونه وأنه بإرادته وأمره تمضي الشئون وتقضى الأمور. وهذا ما يدعيه كل حاكم يحكم بشريعته وقانونه،وتمضي الشؤون وتقضى الأمور بإرادته وأمره - وهذه هي الربوبية بمعناها اللغوي والواقعي - كذلك لم يكن الناس في مصر يعبدون فرعون بمعنى تقديم الشعائر التعبدية له - فقد كانت لهم آلهتهم وكان لفرعون آلهته التي يعبدها كذلك،كما هو ظاهر من قول الملأ له: «ويذرك وآلهتك» وكما يثبت المعروف من تاريخ مصر الفرعونية. إنما هم كانوا يعبدونه بمعنى أنهم خاضعون لما يريده بهم،لا يعصون له أمرا،ولا ينقضون له شرعا .. وهذا هو المعنى اللغوي والواقعي والاصطلاحي للعبادة .. فأيما ناس تلقوا التشريع من بشر وأطاعوه فقد عبدوه،وذلك هو تفسير رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى عن اليهود والنصارى: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ... الآية»
فعَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِى عُنُقِى صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ « يَا عَدِىُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ » . وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِى سُورَةِ بَرَاءَةَ (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قَالَ « أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ » [1] .
وعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ:أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ , فَقَالَ لِي:"يَا عَدِيٌّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ"قَالَ:فَطَرَحْتُهُ , وَقَالَ:وَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ , وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةٍ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ اتَّخَذُوا
(1) - سنن الترمذى- المكنز - (3378 ) حسن لغيره
قال ابن كثير:"فالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذم والتوبيخ، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين، فإنما يأمرون بما أمَرَ الله به وبلغتهم إياه رسله الكرام.إنما يَنْهَوْنهم عما نهاهم الله عنه وبلغتهم إياه رسله الكرام.فالرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعينَ، هم السفراء بين الله وبين خلقه في أداء ما حملوه من الرسالة وإبلاغ الأمانة، فقاموا بذلك أتم قيام، ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق."تفسير ابن كثير - دار طيبة - (2 / 66)