البئيس هو المسخ عن الصورة الآدمية إلى الصورة القردية! لقد تنازلوا هم عن آدميتهم،حين تنازلوا عن أخص خصائصها - وهو الإرادة التي تسيطر على الرغبة - وانتكسوا إلى عالم «الحيوان» حين تخلوا عن خصائص «الإنسان» . فقيل لهم أن يكونوا حيث أرادوا لأنفسهم من الانتكاس والهوان! أما كيف صاروا قردة؟ وكيف حدث لهم بعد أن صاروا قردة؟ هل انقرضوا كما ينقرض كل ممسوخ يخرج عن جنسه؟ أم تناسلوا وهم قردة؟ ... إلى آخر هذه المسائل التي تتعدد فيها روايات التفسير ... فهذا كله مسكوت عنه في القرآن الكريم وليس وراءه عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - شيء .. فلا حاجة بنا نحن إلى الخوض فيه.
لقد جرت كلمة اللّه التي يجري بها الخلق والتكوين ابتداء كما يجري بها التحوير والتغيير .. كلمة «كن» . «قُلْنا لَهُمْ:كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» ..فكانوا قردة مهينين. كما جرى القول الذي لا راد له ولا يعجز قائله عن شيء سبحانه!
ثم كانت اللعنة الأبدية على الجميع - إلا الذين يؤمنون بالنبي الأمي ويتبعونه - بما انتهى إليه أمرهم بعد فترة من المعصية التي لا تنتهي وصدرت المشيئة الإلهية بالحكم الذي لا راد له ولا معقب عليه:
«وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ. إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ،وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
فهو إذن الأبد الذي تحقق منذ صدوره فبعث اللّه على اليهود في فترات من الزمان من يسومهم سوء العذاب. والذي سيظل نافذا في عمومه،فيبعث اللّه عليهم بين آونة وأخرى من يسومهم سوء العذاب.
وكلما انتعشوا وانتفشوا وطغوا في الأرض وبغوا،جاءتهم الضربة ممن يسلطهم اللّه من عباده على هذه الفئة الباغية النكدة،الناكثة العاصية،التي لا تخرج من معصية إلا لتقع في معصية ولا تثوب من انحراف حتى تجنح إلى انحراف ..
ولقد يبدو أحيانا أن اللعنة قد توقفت،وأن يهود قد عزت واستطالت! وإن هي إلا هي إلا فترة عارضة من فترات التاريخ .. ولا يدري إلا اللّه من ذا الذي سيسلط عليهم في الجولة التالية،وما بعدها إلى يوم القيامة.
لقد تأذن اللّه بهذا الأمر الدائم إلى يوم القيامة - كما أخبر اللّه نبيه في قرآنه - معقبا على هذا الأمر بتقرير صفة اللّه سبحانه في العذاب والرحمة: « إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ،وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
فهو بسرعة عقابه يأخذ الذين حقت عليهم كلمته بالعذاب - كما أخذ القرية التي كانت حاضرة البحر - وهو بمغفرته ورحمته يقبل التوبة ممن يثوب من بني إسرائيل،ممن يتبعون الرسول النبي الذي يجدونه مكتوبا عندهم،في التوراة والإنجيل .. فليس عذابه - سبحانه - عن نقمة ولا إحنة. إنما هو الجزاء العادل لمن يستحقونه،ووراءه المغفرة والرحمة ..