بحياة الناس المعاصرة،حتى يشعر قارئه أن القرآن ليس كتابًا نزل لبيئة خاصة في المكان والزمان،ولكنه هداية للناس أجمعين أيًا كان زمانهم أو مكانهم. ولقد استفاد الأستاذ سيد من تفسير ابن كثير فائدة غنية،ونقل عنه،وربما اعتمد عليه خصوصًا في باب المرويات والأقاويل،بل وفي أوجه الاختيار والترجيح،كما انتفع بما كتبه الشيخ محمد رشيد رضا في"المنار"فيما يتعلق بربط هداية القرآن بنتائج العلم والبحث الإنساني،والاجتماعي،والعمراني،وفيما يتعلق بالتجرد عن التعصب والتقليد. ولكن يبقى"الظلال"شيئًا آخر،غير هذا وذلك. نعم. ليس الكتاب تفسيرًا لآيات الأحكام،ولهذا فهو لا يغني عن مثل كتاب القرطبي،أو ابن العربي،أو الجصاص ... أو غيرهم خصوصًا للمهتمين بمعرفة المذاهب الفقهية،والترجيح بينها. وليس تقريرًا مفصلًا،أو تعليميًا،لكليات العقيدة وجزئياتها،فهو لا يغني عن قراءة ما كتبه الإمام الفذ"ابن تيمية"أو تلميذه العلم: ( ابن القيم) في تقرير العقيدة والذب عنها،ومناظرة خصومها. بل ووقع في ( الظلال) عثرات في هذا الباب وفي غيره،ولكنها يسيرة إلى جنب ما فيه من الخير والعلم والإيمان،ومن ذلك -تمثيلًا- اضطرابه في باب الاستواء،كما يعرفه من راجع تفسير هذه الآية في مواضعها السبعة المعروفة ... ومن أفضل ما كتبه سيد قطب كتاب ( خصائص التصور الإسلامي) وهو كتاب عظيم القدر في تقرير جملة من أصول الاعتقاد،معتمدًا على نصوص الكتاب الكريم بالمقام الأول،مؤيدًا لها لحجج العقل الظاهرة،وفيه رد صريح ومباشر على أصحاب مدرسة"وحدة الوجود"و"الحلولية"وأضرابهم،وحديث واضح عن الفروق العظيمة بين الخالق والمخلوق،وبيان أن هذا من أعظم خصائص عقيدة التوحيد،كما بينها الإسلام. فلا مجال مع هذا لأن يحمل أحد الفيض الأدبي الذي سطره سيد في تفسير سورة الإخلاص على تلك المعاني المرذولة،التي كان هو -رحمه الله- من أبلغ من رد عليها وفند شبهاتها ... ومن المعلوم المستفيض أن سيدًا -رحمه الله- مر في فكره وحياته بمراحل مختلفة ... ثم في مرحلة النضج كتب ( الخصائص) (و المعالم) ( والظلال) ( وهذا الدين) و ( المستقبل لهذا الدين) ، ( والإسلام ومشكلات الحضارة) ... ومع ذلك كان يتعاهد كتبه بالتصحيح والمراجعة والتعديل،كما هو ظاهر في ( الظلال) خاصة،إذ كان يعمل فيه قلمه بين طبعة وأخرى،وهذا دأب المخلصين المتجردين) بتصرف يسير من موقع الإسلام اليوم للشيخ سلمان العودة.
وممن نحسب أنه أنصف سيدًا العلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية،حيث رد ردًا مطولًا على أحد الذين تهجموا على سيد واتهموه بأشنع التهم،فكان مما قال:( وأعتذر عن تأخر الجواب،لأني من قبل ليس لي عناية بقراءة كتب هذا الرجل،وإن تداولها الناس. لكن هول ما ذكرتم دفعني إلى قراءات متعددة في عامة كتبه،فوجدت في كتبه خيرًا كثيرًا،وإيمانًا مشرقًا،وحقًا أبلج،وتشريحًا فاضحًا لمخططات أعداء الإسلام،على عثرات في سياقاته،واسترسل بعباراته ليته لم يفه بها،وكثير منها ينقضها قوله الحق في مكان آخر،والكمال عزيز!