فَسَوْفَ يَجْزِيهِمُ إِنْ لَمْ يَمُتْ عَجِلًا كَيْلًا بِكَيْلٍ جَزَاءً غَيْرَ مَغْبُونِ" [1] "
هذه نماذج من ذلك الجيل السامق الذي تربى بالقرآن في حجر محمد - صلى الله عليه وسلم - في ظلال ذلك التوجيه الرباني الكريم: «قُلِ:ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ. إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ،وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ» ..
ثم ماذا كان بعد هذا الأذى الذي احتملوه من كيد المشركين. وهذا الاعتصام باللّه الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين؟
كان ما يعرفه التاريخ! كانت الغلبة والعزة والتمكين لأولياء اللّه. وكانت الهزيمة والهوان والدثور للطواغيت الذين قتلهم الصالحون. وكانت التبعية ممن بقي منهم - ممن شرح اللّه صدره للإسلام - لهؤلاء السابقين،الذين احتملوا الأذى بثقة في اللّه لا تتزعزع،وبعزمة في اللّه لا تلين! إن صاحب الدعوة إلى اللّه - في كل زمان وفي كل مكان - لن يبلغ شيئا إلا بمثل هذه الثقة،وإلا بمثل هذه العزمة،وإلا بمثل ذلك اليقين: «إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ» ..
لقد أمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يتحدى المشركين. فتحداهم. وأمر أن يبين لهم عجز آلهتهم وسخف الشرك بها فبين لهم: « وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ» .. «وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا،وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ»
وإذا كان هذا التقرير ينطبق على آلهة الوثنية الساذجة في جاهلية العرب القديمة .. فإنه ينطبق كذلك على كل الآلهة المدعاة في الجاهلية الحديثة ..
إن هؤلاء المشركين الجدد يدعون من دون اللّه أولياء من أصحاب السلطان الظاهر في الأرض! ولكن هؤلاء الأولياء لا يستطيعون نصرهم ولا أنفسهم ينصرون. حين يجري قدر اللّه بما يشاء في أمر العباد في الموعد المرسوم.
وإذا كانت آلهة العرب الساذجة لا تسمع،وعيونها المصنوعة من الخرز أو الجوهر تنظر ولا تبصر! فإن بعض الآلهة الجديدة كذلك لا تسمع ولا تبصر .. الوطن. والقوم. والإنتاج. والآلة. وحتمية التاريخ! إلى آخر تلك الآلهة المدعاة في الجاهلية الحديثة! والذي يبصر منها ويسمع - وهي الآلهة المدعاة من البشر،التي تعطى خصائص الألوهية فتشرع بأمرها وتحكم - هي كذلك لا تسمع ولا تبصر .. هي من الذين يقول اللّه فيهم: «وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ،لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها،وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها،وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها .. أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ،أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ» ! إن صاحب الدعوة إلى اللّه،إنما يصادف حالة واحدة من الجاهليات المتعددة .. وإنما ينبغي أن يقول ما أمر اللّه سبحانه نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقول:
(1) - حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ (323 ) وسيرة ابن هشام - (1 / 369) فيه جهالة - تفصيل الخبر زيادة مني ...