فهرس الكتاب

الصفحة 1932 من 4997

طال عليهم الجوع واشتدت المحنة .. بينما في بيئة أخرى من بيئات «الحضارة» القديمة التي مردت على الذل،قد يكون السكوت على الأذى مدعاة للهزء والسخرية والاحتقار من البيئة،وتعظيم المؤذي الظالم المعتدي!

«وربما كان ذلك،أيضا،لقلة عدد المسلمين حينذاك،وانحصارهم في مكة،حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة. أو بلغت أخبارها متناثرة،حيث كانت القبائل تقف على الحياد من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها،حتى ترى ماذا يكون مصير الموقف. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة،إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة - حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم - ويبقى الشرك،وتنمحي الجماعة المسلمة،ولم يقم في الأرض للإسلام نظام،ولا وجد له كيان واقعي .. وهو دين جاء ليكون منهاج حياة،وليكون نظاما واقعيا عمليا للحياة.«... إلخ» ... [1]

فأما في المدينة - في أول العهد بالهجرة - فقد كانت المعاهدة التي عقدها رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - مع اليهود من أهلها ومن بقي على الشرك من العرب فيها وفيما حولها،ملابسة تقتضيها طبيعة المرحلة كذلك ..

أولا:لأن هناك مجالا للتبليغ والبيان،لا تقف له سلطة سياسية تمنعه وتحول بين الناس وبينه،فقد اعترف الجميع بالدولة المسلمة الجديدة وبقيادة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في تصريف شؤونها السياسية. فنصت المعاهدة على ألا يعقد أحد منهم صلحا ولا يثير حربا،ولا ينشىء علاقة خارجية إلا بإذن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وكان واضحا أن السلطة الحقيقية في المدينة في يد القيادة المسلمة. فالمجال أمام الدعوة مفتوح،والتخلية بين الناس وحرية الاعتقاد قائمة.

ثانيا:أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يريد التفرغ - في هذه المرحلة - لقريش التي تقوم معارضتها لهذا الدين حجر عثرة في وجه القبائل الأخرى الواقفة في حالة انتظار لما ينتهي إليه الأمر بين قريش وبعض بنيها! لذلك بادر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بإرسال «السرايا» وكان أول لواء عقده لحمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة.

ثم توالت هذه السرايا،على رأس تسعة أشهر. ثم على رأس ثلاثة عشر شهرا. ثم على رأس ستة عشر شهرا.

ثم كانت سرية عبد اللّه بن جحش في رجب على رأس سبعة عشر شهرا. وهي أول غزاة وقع فيها قتل وقتال.

(1) -ص 713 - 716 من الجزء الخامس من الظلال - دار الشروق ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت