فهرس الكتاب
يخاطب سكان هذه الكرة باسم العمال،أو الفلاحين،أو الملاكين،أو المتمولين من أصحاب المعامل والمصانع،ولا يسميهم بأسماء أحزابهم وطبقاتهم.
وإنما يخاطب الإسلام بني آدم كافة. ولا يناديهم كذلك إلا بصفة كونهم أفراد الجنس البشري،فهو يأمرهم أن يعبدوا اللّه وحده ولا يشركوا به شيئا،ولا يتخذوا إلها ولا ربا غيره. وكذلك يدعوهم ألا يعتوا عن أمر ربهم،ولا يستنكفوا عن عبادته،ولا يتكبروا في أرض اللّه بغير الحق،فإن الحكم والأمر للّه وحده،وبيده مقاليد السماوات والأرض فلا يجوز لأحد من خلقه،كائنا من كان،أن يعلو في الأرض ويتكبر،ويقهر الناس حتى يخضعوا له ويذعنوا لأمره وينقادوا لجبروته. ودعوته لهم جميعا أن يخلصوا دينهم للّه وحده فيكونوا سواء في هذه العبودية الشاملة،كما ورد في التنزيل:
«تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ:أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ،وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا،وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ» ... (آل عمران:64) .
«فهذه دعوة إلى انقلاب عالمي شامل،لا غموض فيها ولا إبهام. فإنه قد نادى بملء صوته:
«إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ،أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» .. (يوسف:40) «فليس لأحد من بني آدم أن ينصب نفسه ملكا على الناس ومسيطرا عليهم،يأمرهم بما يشاء وينهاهم عما يريد. ولا جرم أن استقلال فرد من أفراد البشر بالأمر والنهي من غير أن يكون له سلطان من الملك الأعلى،هو تكبر في الأرض على اللّه بغير الحق،وعتو عن أمره،وطموح إلى مقام الألوهية [1] . والذين يرضون أمثال هؤلاء الطواغيت لهم ملوكا وأمراء إنما يشركون باللّه،وذلك مبعث الفساد في الأرض،ومنه تنفجر ينابيع الشر والطغيان.
«إن دعوة الإسلام إلى التوحيد،وعبادة اللّه الواحد،لم تكن قضية كلامية. أو عقيدة لاهوتية فحسب.شأن غيره من النحل والملل بل الأمر أنها كانت دعوة إلى انقلاب اجتماعي (.)
أرادت في أول ما أرادت أن تقطع دابر الذين تسنموا ذروة الألوهية واستعبدوا الناس بحيلهم ومكايدهم المختلفة. فمنهم من تبوأ مناصب السدنة والكهان ومنهم من استأثر بالملك والإمرة،وتحكم في رقاب الناس ومنهم من استبد بمنابع الثروة وخيرات الأرض وجعل الناس عالة عليهم يتكففون ولا يجدون ما يتبلغون به .. فأرادت دعوة الإسلام أن تقطع دابرهم جميعا وتستأصل شأفتهم استئصالا .. وهؤلاء تارة تسنموا قمة الألوهية جهرا وعلانية وأرادوا أن يقهروا من حولهم من الناس على أن يذعنوا لأمرهم وينقادوا لجبروتهم مستندين إلى حقوقهم التي ورثوها عن آبائهم أو استأثرت بها الطبقة التي ينتمون إليها فقالوا: «ما علمت لكم من إله غيري» .. و «أنا ربكم الأعلى» .. و «أنا أحيي وأميت» .. و «من أشد منا قوة؟» ..
(1) -- ولا يختلف الحال لو كانت هيئة،أو كان «الشعب» هو الذي ينشىء شرائعه من غير سلطان من الملك الأعلى ...فالعبرة هي بهذا القيد ..سواء كان المشرّع فردا أم جماعة أم شعبا! ( السيد رحمه الله )