فهرس الكتاب

الصفحة 1990 من 4997

«الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ» ..وهنا نرى للإيمان صورة حركية ظاهرة - بعد ما رأيناه في الصفات السابقة مشاعر قلبية باطنة - ذلك أن الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل. فالعمل هو الدلالة الظاهرة للإيمان التي لا بد من ظهورها للعيان،لتشهد بالوجود الفعلي لهذا الإيمان.

وإقامة الصلاة ليست هي مجرد أدائها. إنما هي الأداء الذي يحقق حقيقتها. الأداء الكامل اللائق بوقفة العابد في حضرة المعبود - سبحانه - لا مجرد القراءة والقيام والركوع والسجود والقلب غافل! وهي في صورتها الكاملة تلك تشهد للإيمان بالوجود فعلا.

«وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» ..في الزكاة وغير الزكاة .. وهم ينفقون «مما رزقناهم» .. فهو بعض مما رزقهم الرازق .. وللنص القرآني دائما ظلاله وإيحاءاته. فهم لم يخلقوا هذا المال خلقا. إنما هو مما رزقهم اللّه إياه - من بين ما رزقهم وهو كثير لا يحصى - فإذا أنفقوا فإنما ينفقون بعضه،ويحتفظون منه ببقية. والأصل هو رزق اللّه وحده! تلك هي الصفات التي حدد اللّه بها - في هذا المقام - الإيمان. وهي تشمل الاعتقاد في وحدانية اللّه والاستجابة الوجدانية لذكره والتأثر القلبي بآياته والتوكل عليه وحده وإقامة الصلاة له،والإنفاق من بعض رزقه ..

وهي لا تمثل تفصيلات الإيمان - كما وردت في النصوص الأخرى - إنما هي تواجه حالة واقعة .. حالة الخلاف على الأنفال وفساد ذات البين من جرائها .. فتذكر من صفات المؤمنين ما يواجه هذه الحالة. وهي في الوقت ذاته تعين صفات من فقدها جملة لم يجد حقيقة الإيمان فعلا. بغض النظر عما إذا كانت تستقصي شروط الإيمان أولا تستقصيها. فمنهج التربية الرباني بالقرآن هو الذي يتحكم فيما يذكر من هذه الشروط والتوجيهات في مواجهة الحالات الواقعية المختلفة. ذلك أنه منهج واقعي عملي حركي،لا منهج نظري معرفي،مهمته بناء (نظرية) وعرضها لذاتها! وعلى نفس القاعدة يجيء التعقيب الأخير: «أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا،لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ،وَمَغْفِرَةٌ،وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» ..

فهذه الصفات إنما يجدها في نفسه وفي عمله المؤمن الحق. فمن لم يجدها جملة لم يجد صفة الإيمان. وهي في الوقت ذاته تواجه الحالة التي تنزلت فيها الآيات .. ومن ثم تواجه الحرص على الشهادة بحسن البلاء،بأن هؤلاء الذين يجدون هذه الصفات «لهم درجات عند ربهم» .. وتواجه ما وقع في ذات البين من سوء أخلاق - كما قال عبادة بن الصامت - بأن الذين يجدون هذه الصفات لهم عند ربهم «مغفرة» .. وتواجه ما وقع من نزاع على الأنفال بأن الذين يجدون هذه الصفات لهم عند ربهم «رزق كريم» .. فتغطي الحالة كلها،كل ما لابسها من مشاعر ومواقف. وتقرر في الوقت ذاته حقيقة موضوعية وهي أن هذه صفات المؤمنين،من فقدها جملة لم يجد حقيقة الإيمان.

«أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا» ..وقد كانت العصبة المسلمة الأولى تعلم أن للإيمان حقيقة لا بد أن يجدها الإنسان في نفسه،وأنه ليس الإيمان دعوى،ولا كلمات لسان،ولا هو بالتمني .. روى الحافظ الطبراني عَنِ الْحَارِثِ بن مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ،،أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ لَهُ:"كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت