فهرس الكتاب
وتتناول الملأ الأعلى كما أنها تتجاوز يوم بدر،وتاريخ الجزيرة العربية،وتاريخ البشرية في الأرض،وتمتد وراء الحياة الدنيا،حيث الحساب الختامي في الآخرة والجزاء الأوفى،وحيث تشعر العصبة المسلمة بقيمتها في ميزان اللّه،وقيمة أقدارها وأعمالها وحركتها بهذا الدين ومقامها الأعلى: «إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ،فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى،وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ،وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ،إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ،وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ،وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ،وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ. إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا،سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ،فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ،وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ،وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ» ..
إنها المعركة كلها تدار بأمر اللّه ومشيئته،وتدبيره وقدره وتسير بجند اللّه وتوجيهه .. وهي شاخصة بحركاتها وخطراتها من خلال العبارة القرآنية المصورة المتحركة المحيية للمشهد الذي كان،كأنه يكون الآن! فأما قصة الاستغاثة فقد روى أَبُو زُمَيْلٍ،قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ،قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ،قَالَ:لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ [1] وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُ مِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا،فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الْقِبْلَةَ،ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ،فَجَعَلَ يَهْتِفُ رَبَّهُ:اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي،اللَّهُمَّ آتِنِي مَا وَعَدْتَنِي،اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ،مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدُ فِي الأَرْضِ،فَمَا زَالَ يَهْتِفُ رَبَّهُ جَلَّ وَعَلاَ مَاذَا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ،حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبِهِ، - صلى الله عليه وسلم - ،فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ،فَأَخَذَ رِدَاءَهُ،وَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبِهِ،ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ،فَقَالَ:يَا نَبِيَّ اللهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ،فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ،فَاسْتَجَابَ لَكُمْ،أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ،مُرْدِفِينَ} [الأنفال] ،فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلاَئِكَةِ [2] .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ « هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ - عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ » [3] .
وتروى روايات كثيرة مفصلة عن الملائكة في يوم بدر:عددهم. وطريقة مشاركتهم في المعركة. وما كانوا يقولونه للمؤمنين مثبتين وما كانوا يقولونه للمشركين مخذلين ... ونحن - على طريقتنا في الظلال - نكتفي في مثل هذا الشأن من عوالم الغيب بما يرد في النصوص المستيقنة من قرآن أو سنة.
(1) - في روايات أخرى أنهم بين الألف والتسع مائة. ( السيد رحمه الله )
(2) - صحيح ابن حبان [11 /114] (4793) وتفسير ابن أبي حاتم [7 /25] ( 9591) وصحيح مسلم- المكنز [12 /29] (4687)
(3) - صحيح البخارى- المكنز [13 /356] (3995 )