فهرس الكتاب

الصفحة 1999 من 4997

أما قصة النعاس الذي غشي المسلمين قبل المعركة فهي قصة حالة نفسية عجيبة،لا تكون إلا بأمر اللّه وقدره وتدبيره .. لقد فزع المسلمون وهم يرون أنفسهم قلة في مواجهة خطر لم يحسبوا حسابه ولم يتخذوا له عدته .. فإذا النعاس يغشاهم،ثم يصحون منه والسكينة تغمر نفوسهم والطمأنينة تفيض على قلوبهم (وهكذا كان يوم أحد .. تكرر الفزع،وتكرر النعاس،وتكررت الطمأنينة) .. ولقد كنت أمر على هذه الآيات،وأقرأ أخبار هذا النعاس،فأدركه كحادث وقع،يعلم اللّه سره،ويحكي لنا خبره .. ثم إذا بي أقع في شدة،وتمر عليّ لحظات من الضيق المكتوم،والتوجس القلق،في ساعة غروب .. ثم تدركني سنة من النوم لا تتعدى بضع دقائق .. وأصحو إنسانا جديدا غير الذي كان .. ساكن النفس. مطمئن القلب. مستغرقا في الطمأنينة الواثقة العميقة .. كيف تم هذا؟ كيف وقع هذا التحول المفاجئ؟ لست أدري! ولكني بعدها أدرك قصة بدر وأحد. أدركها في هذه المرة بكياني كله لا بعقلي. وأستشعرها حية في حسي لا مجرد تصور. وأرى فيها يد اللّه وهي تعمل عملها الخفي المباشر .. ويطمئن قلبي ..

لقد كانت هذه الغشية،وهذه الطمأنينة،مددا من أمداد اللّه للعصبة المسلمة يوم بدر: «إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ» ..ولفظ «يغشيكم» ولفظ «النعاس» ولفظ «أمنة» .. كلها تشترك في إلقاء ظل لطيف شفيف وترسم الظل العام للمشهد،وتصور حال المؤمنين يومذاك،وتجلي قيمة هذه اللحظة النفسية الفاصلة بين حال للمسلمين وحال.

وأما قصة الماء: «وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ،وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ،وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ،وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ» ..

فهي قصة مدد آخر من أمداد اللّه للعصبة المسلمة،قبيل المعركة.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ،قَالَ:أَقْبَلَتْ عِيرُ أَهْلِ مَكَّةَ تُرِيدُ الشَّامَ،فَبَلَغَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ذَلِكَ،فَخَرَجُوا وَمَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُرِيدُونَ الْعِيرَ،فَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ مَكَّةَ فَأَسْرَعُوا السَّيْرَ إِلَيْهَا لِكَيْلَا يَغْلِبَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ،فَسَبَقَتِ الْعِيرُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَكَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَهُمْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ،وَكَانُوا أَنْ يَلْقَوَا الْعِيرَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ،وَأَيْسَرُ شَوْكَةً،وَأَحْضَرُ مَغْنَمًا،فَلَمَّا سَبَقَتِ الْعِيرُ وَفَاتَتْ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ الْقَوْمَ،فَكَرِهَ الْقَوْمُ مَسِيرَهُمْ لِشَوْكَةِ الْقَوْمِ،فَنَزَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَالْمُسْلِمُونَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ رَمْلَةٌ دَعْصَةٌ،فَأَصَابَ الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ شَدِيدٌ،وَأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِهِمُ الْغَيْظَ يُوَسْوِسُهُمْ:تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَقَدْ غَلَبَكُمُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمَاءِ وَأَنْتُمْ كَذَا،فَأَمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا شَدِيدًا،فَشَرِبَ الْمُسْلِمُونَ وتَطَهَّرُوا،فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ،وَصَارَ الرَّمْلُ كَدًّا - ذَكَرَ كَلِمَةً أَخْبَرَ أَنَّهُ أَصَابَهُ الْمَطَرُ - وَمَشَى النَّاسُ عَلَيْهِ وَالدَّوَابُّ فَسَارُوا إِلَى الْقَوْمِ،وَمَدَّ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - وَالْمُؤْمِنِينَ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ،فَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُجَنَّبَةً،وَمِيكَائِيلُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مُجَنَّبَةً،وَجَاءَ إِبْلِيسُ فِي جُنْدٍ مِنَ الشَّيَاطِينِ،مَعَهُ رَايَةٌ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت