فهرس الكتاب

الصفحة 2005 من 4997

الآن .. وقد استعرض السياق القرآني هذا كله،فأعاده حاضرا في قلوبهم،شاخصا لأبصارهم. وهو يتضمن صورة من النصر الحاسم الذي لا يستند إلى تدبير بشري،ولا إلى قوة العدد ولا قوة العدة إنما يستند إلى تدبير اللّه وتقديره وعونه ومدده كما يستند إلى التوكل على اللّه وحده،والالتجاء إليه،والاستغاثة به،والسير مع تدبيره وتقديره ..

الآن .. وهذا المشهد حاضر في القلوب شاخص للأبصار .. الآن .. وفي أنسب اللحظات لاستجابة القلوب للتوجيه .. الآن يجيء الأمر للذين آمنوا - بصفتهم هذه - أن يثبتوا إذا لقوا الذين كفروا وألا يولوهم الأدبار من الهزيمة والفرار ما دام أن النصر والهزيمة موكولان إلى إرادة فوق إرادة الناس وإلى أسباب غير الأسباب الظاهرة التي يراها الناس وما دام أن اللّه هو الذي يدبر أمر المعركة - كما يدبر الأمر كله - وهو الذي يقتل الكفار بأيدي المؤمنين وهو الذي ينجح الرمية حين ترمى - وإنما المؤمنون ستار للقدرة يريد اللّه أن يجعل لهم ثواب الجهاد والبلاء فيه - وهو الذي يلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ويوهن تدبيرهم ويذيقهم العذاب في الدنيا والآخرة لأنهم شاقوا اللّه ورسوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ - إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ - فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ،وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ،وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ،وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى،وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا،إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ» ..

ويبدو في التعبير القرآني شدة في التحذير وتغليظ في العقوبة وتهديد بغضب من اللّه ومأوى في النار: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ - إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ - فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ،وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» ..

والمعنى:يا أيها الذين آمنوا إذا واجهتم الذين كفروا «زحفا» أي متدانين متقاربين متواجهين فلا تفروا عنهم،إلا أن يكون ذلك مكيدة حرب،حيث تختارون موقعا أحسن،أو تدبرون خطة أحكم أو أن يكون ذلك انضماما إلى فئة أخرى من المسلمين،أو إلى قواعد المسلمين،لتعاودوا القتال .. وأن من تولى،وأعطى العدو دبره يوم الزحف فقد استحق ذلك العقاب:غضبا من اللّه ومأوى في جهنم ..

وقد وردت بعض الأقوال في اعتبار هذا الحكم خاصا بأهل بدر،أو بالقتال الذي يكون رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حاضره. ولكن الجمهور على أنها عامة،وأن التولي يوم الزحف كبيرة من السبع الموبقات.كما روى البخاري ومسلم في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا:يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ:الشِّرْكُ بِاللَّهِ،وَالسِّحْرُ،وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ،وَأَكْلُ الرِّبَا،وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ،وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ،وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ. [1] ..

(1) - صحيح البخارى- المكنز [10 /142] (2766 ) وصحيح مسلم- المكنز [1 /323] (272) وصحيح ابن حبان [12 /371] (5561)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت