فهرس الكتاب

الصفحة 2022 من 4997

إنه - سبحانه - هو الذي وهب الأموال والأولاد .. وعنده وراءهما أجر عظيم لمن يستعلي على فتنة الأموال والأولاد،فلا يقعد أحد إذن عن تكاليف الأمانة وتضحيات الجهاد .. وهذا هو العون والمدد للإنسان الضعيف،الذي يعلم خالقه مواطن الضعف فيه: «وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا» ..

إنه منهج متكامل في الاعتقاد والتصور،والتربية والتوجيه،والفرض والتكليف. منهج اللّه الذي يعلم لأنه هو الذي خلق: «أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؟» .

والهتاف الأخير للذين آمنوا - في هذا المقطع من السورة - هو الهتاف بالتقوى. فما تنهض القلوب بهذه الأعباء الثقال،إلا وهي على بينة من أمرها ونور يكشف الشبهات ويزيل الوساوس ويثبت الأقدام على الطريق الشائك الطويل. وما يكون لها هذا الفرقان إلا بحساسية التقوى وإلا بنور اللّه:

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا،وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ،وَيَغْفِرْ لَكُمْ. وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» ..

هذا هو الزاد،وهذه هي عدة الطريق .. زاد التقوى التي تحيي القلوب وتوقظها وتستجيش فيها أجهزة الحذر والحيطة والتوقي. وعدة النور الهادي الذي يكشف منحنيات الطريق ودروبه على مد البصر فلا تغبشه الشبهات التي تحجب الرؤية الكاملة الصحيحة .. ثم هو زاد المغفرة للخطايا. الزاد المطمئن الذي يسكب الهدوء والقرار ..وزاد الأمل في فضل اللّه العظيم يوم تنفد الأزواد وتقصر الأعمال.

إنها حقيقة:أن تقوى اللّه تجعل في القلب فرقانا يكشف له منعرجات الطريق. ولكن هذه الحقيقة - ككل حقائق العقيدة - لا يعرفها إلا من ذاقها فعلا! إن الوصف لا ينقل مذاق هذه الحقيقة لمن لم يذوقوها!.

إن الأمور تظل متشابكة في الحس والعقل والطرق تظل متشابكة في النظر والفكر والباطل يظل متلبسا بالحق عند مفارق الطريق! وتظل الحجة تفحم ولكن لا تقنع. وتسكت ولكن لا يستجيب لها القلب والعقل.

ويظل الجدل عبثا والمناقشة جهدا ضائعا .. ذلك ما لم تكن هي التقوى .. فإذا كانت استنار العقل،ووضح الحق،وتكشف الطريق،واطمأن القلب،واستراح الضمير،واستقرت القدم وثبتت على الطريق! إن الحق في ذاته لا يخفى على الفطرة .. إن هناك اصطلاحا من الفطرة على الحق الذي فطرت عليه والذي خلقت به السماوات والأرض .. ولكنه الهوى هو الذي يحول بين الحق والفطرة .. الهوى هو الذي ينشر الغبش،ويحجب الرؤية،ويعمي المسالك،ويخفي الدروب .. والهوى لا تدفعه الحجة إنما تدفعه التقوى .. تدفعه مخافة اللّه،ومراقبته في السر والعلن .. ومن ثم هذا الفرقان الذي ينير البصيرة،ويرفع اللبس،ويكشف الطريق.

وهو أمر لا يقدر بثمن .. ولكن فضل اللّه العظيم يضيف إليه تكفير الخطايا ومغفرة الذنوب. ثم يضيف إليهما «الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت