فهرس الكتاب
تصطلح عليه الفطرة سريعا،قد اكتسح هذه الأساليب وهذه المناورات،فلم يقف له منها شيء وراح الملأ من قريش - في ذعر - يقولون: «لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ!» ووجد كبراؤهم،من أمثال أبي سفيان،وأبي جهل والأخنس بن شريق أنفسهم يخالس بعضهم بعضا ليبيت ليلته يستمع خفية لهذا القرآن ولا يملك نفسه من أن تقوده قدماه ليلة بعد ليلة إلى حيث يستمع لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في خفية عن الآخرين حتى تعاهدوا وأكدوا على أنفسهم العهود،ألا يعودوا إليها،مخافة أن يراهم الفتية فيفتنوا بهذا القرآن وبهذا الدين! [1]
على أن محاولة النضر بن الحارث أن يلهي الناس عن هذا القرآن بشيء آخر يخدعهم به عنه،لم تكن هي المحاولة الأخيرة ولن تكون .. [2] لقد تكررت في صور شتى وسوف تتكرر .. لقد حاول أعداء هذا الدين دائما أن يصرفوا الناس نهائيا عن هذا القرآن. فلما عجزوا حولوه إلى تراتيل يترنم بها القراء ويطرب لها المستمعون،وحولوه إلى تمائم وتعاويذ يضعها الناس في جيوبهم وفي صدورهم وتحت وسائدهم ... ويفهمون أنهم مسلمون،ويظنون أنهم أدوا حق هذا القرآن وحق هذا الدين! لم يعد القرآن في حياة الناس هو مصدر التوجيه .. لقد صاغ لهم أعداء هذا الدين أبدالا منه يتلقون منها التوجيه في شؤون الحياة كلها .. حتى ليتلقون منها تصوراتهم ومفاهيمهم،إلى جانب ما يتلقون منها شرائعهم وقوانينهم،وقيمهم وموازينهم! ثم قالوا لهم:إن هذا الدين محترم،وإن هذا القرآن مصون. وهو يتلى عليكم صباحا ومساء وفي كل حين ويترنم به المترنمون،ويرتله المرتلون ..
فماذا تريدون من القرآن بعد هذا الترنم وهذا الترتيل؟! فأما تصوراتكم ومفهوماتكم،وأما أنظمتكم وأوضاعكم،وأما شرائعكم وقوانينكم،وأما قيمكم وموازينكم،فإن هناك قرآنا آخر هو المرجع فيها
(1) - قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ أَنّهُ حُدّثَ أَنّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ،وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ،وَالْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثّقَفِيّ،حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلّي مِنْ اللّيْلِ فِي بَيْتِهِ فَأَخَذَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ وَكُلّ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرّقُوا .فَجَمَعَهُمْ الطّرِيقُ فَتَلَاوَمُوا،وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ لَا تَعُودُوا،فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لَأَوْقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا،ثُمّ انْصَرَفُوا .حَتّى إذَا كَانَتْ اللّيْلَةُ الثّانِيَةُ عَادَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إلَى مَجْلِسِهِ فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرّقُوا،فَجَمَعَهُمْ الطّرِيقُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ مِثْلَ مَا قَالُوا أَوّلَ مَرّةٍ ثُمّ انْصَرَفُوا .حَتّى إذَا كَانَتْ اللّيْلَةُ الثّالِثَةُ أَخَذَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرّقُوا،فَجَمَعَهُمْ الطّرِيقُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ لَا نَبْرَحُ حَتّى نَتَعَاهَدَ أَلَا نَعُودَ فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ ثُمّ تَفَرّقُوا .سيرة ابن هشام [1 /315] صحيح مرسل
(2) - كَانَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ،وَمِمّنْ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَيَنْصِبُ لَهُ الْعَدَاوَةَ وَكَانَ قَدْ قَدِمَ الْحِيرَةَ،وَتَعَلّمَ بِهَا أَحَادِيثَ مُلُوكِ الْفُرْسِ،وَأَحَادِيثَ رُسْتُمَ واسبنديار .فَكَانَ إذَا جَلَسَ رَسُولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - مَجْلِسًا فَذَكّرَ فِيهِ بِاَللّهِ وَحَذّرَ قَوْمَهُ مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ الْأُمَمِ مِنْ نِقْمَةِ اللّهِ خَلَفَهُ فِي مَجْلِسِهِ إذَا قَامَ ثُمّ قَالَ أَنَا وَاَللّهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ،أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْهُ فَهَلُمّ إلَيّ فَأَنَا أُحَدّثُكُمْ أَحْسَنَ مِنْ حَدِيثِهِ ثُمّ يُحَدّثُهُمْ عَنْ مُلُوكِ فَارِسَ وَرُسْتُمَ واسبنديار،ثُمّ يَقُولُ بِمَاذَا مُحَمّدٌ أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنّي ؟ .قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:وَهُوَ الّذِي قَالَ فِيمَا بَلَغَنِي:سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ .قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:وَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا - يَقُولُ فِيمَا بَلَغَنِي:نَزَلَ فِيهِ ثَمَانِ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ قَوْلُ اللّه - عَزّ وَجَلّ -: { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوّلِينَ } .وَكُلّ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ الْأَسَاطِيرِ مِنْ الْقُرْآنِ .سيرة ابن هشام [1 /300] بلاغا