اللّه،والحكم بغير ما أنزل اللّه،والتحاكم إلى غير شرع اللّه .. في الصغير وفي الكبير سواء .. أحكام صريحة جازمة بسيطة واضحة .. وكل ما وراءها فهو من صنع تلك الخلافات والتأويلات ..
وهذا نموذج من التقريرات الصريحة الواضحة الجازمة من قول اللّه سبحانه: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ .. إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» ..
ومثله سائر التقريرات الواضحة الجازمة الصريحة التي ترسم حقيقة الإيمان وحدوده في كتاب اللّه.
لقد نزع اللّه ملكية الغنيمة ممن يجمعونها في المعركة وردها إلى اللّه والرسول - في أول السورة - ليخلص الأمر كله للّه والرسول وليتجرد المجاهدون من كل ملابسة من ملابسات الأرض وليسلموا أمرهم كله - أوله وآخره - للّه ربهم وللرسول قائدهم وليخوضوا المعركة للّه وفي سبيل اللّه،وتحت راية اللّه،طاعة للّه يحكمونه في أرواحهم،ويحكمونه في أموالهم ويحكمونه في أمرهم كله بلا تعقيب ولا اعتراض ..
فهذا هو الإيمان .. كما قال لهم في مطلع السورة وهو ينتزع منهم ملكية الغنيمة ويردها إلى اللّه ورسوله: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ. قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ،فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ،وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ .. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ..» .
حتى إذا استسلموا لأمر اللّه،وارتضوا حكمه ذاك،فاستقر فيهم مدلول الإيمان .. عاد ليرد عليهم أربعة أخماس الغنيمة،ويستبقي الخمس على الأصل - للّه والرسول - يتصرف فيه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ،وينفق منه على من يعولهم في الجماعة المسلمة من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .. عاد ليرد عليهم الأخماس الأربعة،وقد استقر في نفوسهم أنهم لا يملكونها ابتداء بحق الغزو والفتح،فهم إنما يغزون للّه ويفتحون لدين اللّه إنما هم يستحقونها بمنح اللّه لهم إياها كما أنه هو الذي يمنحهم النصر من عنده ويدبر أمر المعركة وأمرهم كله .. وعاد كذلك ليذكرهم بأن الاستسلام لهذا الأمر الجديد هو الإيمان .. هو شرط الإيمان،وهو مقتضى الإيمان ..
«وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ .. إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» ..
وهكذا تتواتر النصوص،لتقرر أصلا واضحا جازما من أصول هذا الدين في اعتبار مدلول الإيمان وحقيقته وشرطه ومقتضاه.
ثم نقف أمام وصف اللّه - سبحانه - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «عبدنا» في هذا الموضع الذي يرد إليه فيه أمر الغنائم كلها ابتداء،وأمر الخمس المتبقي أخيرا: «إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ،وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» ..