فهرس الكتاب

الصفحة 2054 من 4997

اللّه كثيرا عند لقاء الأعداء فهو التوجيه الدائم للمؤمن كما أنه التعليم المطرد الذي استقر في قلوب العصبة المؤمنة،وحكاه عنها القرآن الكريم في تاريخ الأمة المسلمة في موكب الإيمان التاريخي.

ومما حكاه القرآن الكريم من قول سحرة فرعون عند ما استسلمت قلوبهم للإيمان فجأة،فواجههم فرعون بالتهديد المروع البشع الطاغي،قولهم: «وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا. رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ» ..

ومما حكاه كذلك عن الفئة القليلة المؤمنة من بني إسرائيل،وهي تواجه جالوت وجنوده: «وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا:رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» ..

ومما حكاه عن الفئات المؤمنة على مدار التاريخ في مواجهة المعركة: «وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ،فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا،وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا:رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا،وَثَبِّتْ أَقْدامَنا،وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» ..

ولقد استقر هذا التعليم في نفوس العصبة المسلمة فكان هذا شأنها حيثما واجهت عدوا. وقد حكى اللّه - فيما بعد - عن العصبة التي أصابها القرح في «أحد» فلما دعيت إلى الخروج ثاني يوم،كان هذا التعليم حاضرا في نفوسها: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ:إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ،فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا:حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ..

إن ذكر اللّه عند لقاء العدو يؤدي وظائف شتى:إنه الاتصال بالقوة التي لا تغلب والثقة باللّه الذي ينصر أولياءه .. وهو في الوقت ذاته استحضار حقيقة المعركة وبواعثها وأهدافها،فهي معركة للّه،لتقرير ألوهيته في الأرض،وطرد الطواغيت المغتصبة لهذه الألوهية وإذن فهي معركة لتكون كلمة اللّه هي العليا لا للسيطرة،ولا للمغنم،ولا للاستعلاء الشخصي أو القومي .. كما أنه توكيد لهذا الواجب - واجب ذكر اللّه - في أحرج الساعات وأشد المواقف .. وكلها إيحاءات ذات قيمة في المعركة يحققها هذا التعليم الرباني.

وأما طاعة اللّه ورسوله،فلكي يدخل المؤمنون المعركة مستسلمين للّه ابتداء فتبطل أسباب النزاع التي أعقبت الأمر بالطاعة: «وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ» .. فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار. فإذا استسلم الناس للّه ورسوله انتفى السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم - مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة - فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر،إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها! وإنما هو وضع «الذات» في كفة،والحق في كفة وترجيح الذات على الحق ابتداء! .. ومن ثم هذا التعليم بطاعة اللّه ورسوله عند المعركة .. إنه من عمليات «الضبط» التي لا بد منها في المعركة .. إنها طاعة القيادة العليا فيها،التي تنبثق منها طاعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت