فهرس الكتاب

الصفحة 2064 من 4997

وأنتم إنما تلاقون جزاء عادلا،تستحقونه بما قدمت أيديكم: «وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» ..

وهذا النص - بما يعرضه من مشهد «عذاب الحريق» - يثير في النفس سؤالا:ترى هذا تهديد من الملائكة للذين كفروا بعذاب المستقبل المقرر لهم - كأنه واقع بهم - بعد البعث والحساب؟ أم إنهم يلاقون عذاب الحريق بمجرد توفيهم؟ ..

وكلاهما جائز،لا يمنع مانع من فهمه من النص القرآني .. ولا نحب أن نزيد شيئا على هذا التقرير ..

فهو أمر من أمور الغيب الذي استأثر اللّه بعلمه وليس علينا فيه إلا اليقين بوقوعه. وهو واقع ماله من دافع.

أما موعده فعلم ذلك عند علام الغيوب.

وننتقل من هذه الوقفة الخاطفة،مع السياق في انتقاله إلى تقرير الحقيقة الكلية وراء هذا المشهد .. إن أخذ الذين كفروا بالمهانة والعذاب،سنة ماضية لا تتخلف ولا تتبدل فهذا هو المصير المحتوم الذي جرت به السنة من قديم: «كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ،فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ،إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ» ..

إن اللّه - سبحانه - لا يكل الناس إلى فلتات عابرة،ولا إلى جزاف لا ضابط له .. إنما هي سنته يمضي بها قدره .. وما أصاب المشركين في يوم بدر،هو ما يصيب المشركين في كل وقت وقد أصاب آل فرعون والذين من قبلهم: « كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ» ..

ولم يعجزوه - سبحانه - ولم يتخلف عنهم عقابه: «إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ» .

ولقد آتاهم اللّه من نعمته،ورزقهم من فضله،ومكن لهم في الأرض،وجعلهم خلائف فيها .. وهذا كله إنما يعطيه اللّه للناس ابتلاء منه وامتحانا،لينظر أيشكرون أم يكفرون؟ ولكنهم كفروا ولم يشكروا وطغوا وبغوا بما أعطوا،وغيرتهم النعمة والقوة فصاروا جبابرة وطواغيت كفرة فجرة .. وجاءتهم آيات اللّه فكفروا بها .. وعندئذ حقت عليهم سنة اللّه في أخذ الكافرين بعد أن تبلغهم آياته فيكذبوا بها .. وعندئذ غير اللّه النعمة،وأخذهم بالعذاب،ودمر عليهم تدميرا: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ. وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ،فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ،وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ. وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ» ..

لقد أهلكهم اللّه بعد التكذيب بآياته. ولم يهلكهم قبلها سبحانه - مع أنهم كانوا كافرين - لأن هذه سنته ورحمته: «وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» .. وهو يعبر هنا عن آل فرعون والذين من قبلهم من أمثالهم الذين كذبوا بآيات اللّه فأهلكهم .. بأنهم «كانُوا ظالِمِينَ» .. مستخدما لفظ «الظلم» بمعنى «الكفر» أو «الشرك» وهذا هو الاستعمال الغالب في القرآن ..

عدل اللّه في معاملة العباد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت