فهرس الكتاب
هذه الآيات كانت تواجه حالة قائمة بالفعل في حياة الجماعة المسلمة،عند نشأة الدولة المسلمة بالمدينة وتزود القيادة المسلمة بالأحكام التي تواجه بها هذه الحالة.
وهي تمثل إحدى قواعد العلاقات الخارجية بين المعسكر المسلم وما حوله من المعسكرات الأخرى،ولم تدخل عليها إلا تكملات وتعديلات جانبية فيما بعد ولكنها ظلت إحدى القواعد الأساسية في المعاملات الإسلامية الدولية.
إنها تقرر إمكان إقامة عهود تعايش بين المعسكرات المختلفة ما أمكن أن تصان هذه العهود من النكث بها مع إعطاء هذه العهود الاحترام الكامل والجدية الحقيقية. فأما إذا اتخذ الفريق الآخر هذه العهود ستارا يدبر من ورائه الخيانة والغدر ويستعد للمبادأة والشر فإن للقيادة المسلمة أن تنبذ هذه العهود،وتعلن الفريق الآخر بهذا النبذ وتصبح مطلقة اليد في اختيار وقت الضربة التالية للخائنين الغادرين .. على أن تكون هذه الضربة من العنف والشدة بحيث ترهب كل من تحدثه نفسه بالتعرض للمجتمع المسلم سرا أو جهرا! ..
فأما الذين يسالمون المعسكر الإسلامي ويريدون عدم التعرض للدعوة الإسلامية،أو الحيلولة دون وصولها إلى كل سمع فإن للقيادة المسلمة أن توادعهم ما دام ظاهرهم يدل على أنهم يجنحون إلى السلم ويريدونها. [1]
وهذه - كما هو ظاهر - مواجهة عملية واقعية لحالات عملية واقعية في العلاقات بين المعسكرات المتجاورة لا ترفض الموادعة - متى تحقق للدعوة الإسلامية الأمان الحقيقي وزوال العقبات المادية من طريقها وهي تتحرك لتبلغ الأسماع والقلوب - وفي الوقت ذاته لا تسمح أن تكون عهود الموادعة ستارا للأعداء،وترسا يتترسون به لضرب المجتمع المسلم غيلة وغدرا.
أما الحالة الواقعة التي كانت هذه النصوص تواجهها في مجتمع المدينة يومذاك،فقد نشأت من الظروف التي واجهتها القيادة المسلمة في أول العهد بالهجرة إلى المدينة،والتي يلخصها الإمام ابن القيم في زاد المعاد بقوله:"وَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ صَارَ الْكُفَّارُ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:قِسْمٌ صَالَحَهُمْ وَوَادَعَهُمْ عَلَى أَلَّا يُحَارِبُوهُ،وَلَا يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ،وَلَا يُوَالُوا عَلَيْهِ عَدُوَّهُ،وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ آمِنُونَ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ،وَقِسْمٌ حَارَبُوهُ وَنَصَبُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ،وَقِسْمٌ تَارِكُوهُ فَلَمْ يُصَالِحُوهُ وَلَمْ يُحَارِبُوهُ،بَلِ انْتَظَرُوا مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ وَأَمْرُ أَعْدَائِهِ ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ يُحِبُّ ظُهُورَهُ وَانْتِصَارَهُ فِي الْبَاطِنِ،وَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الظَّاهِرِ ،وَهُوَ مَعَ عَدْوِّهِ فِي الْبَاطِنِ ؛ لِيَأْمَنَ الْفَرِيقَيْنِ،وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُنَافِقُونَ،فَعَامَلَ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى" [2]
(1) - ولقد نظمت هذه الحالات تنظيما نهائيا فيما بعد في سورة التوبة ( السيد رحمه الله )
(2) - زاد المعاد [3 /114]