فهرس الكتاب
وبذلك يرتفع الإسلام بالبشرية إلى آفاق من الشرف والاستقامة،وإلى آفاق من الأمن والطمأنينة .. إنه لا يبيت الآخرين بالهجوم الغادر الفاجر وهم آمنون مطمئنون إلى عهود ومواثيق لم تنقض ولم تنبذ ولا يروّع الذين لم يأخذوا حذرهم حتى وهو يخشى الخيانة من جانبهم .. فأما بعد نبذ العهد فالحرب خدعة،لأن كل خصم قد أخذ حذره فإذا جازت الخدعة عليه فهو غير مغدور به إنما هو غافل! وكل وسائل الخدعة حينئذ مباحة لأنها ليست غادرة!
إن الإسلام يريد للبشرية أن ترتفع ويريد للبشرية أن تعف فلا يبيح الغدر في سبيل الغلب وهو يكافح لأسمى الغايات وأشرف المقاصد ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة.
إن الإسلام يكره الخيانة،ويحتقر الخائنين الذين ينقضون العهود ومن ثم لا يحب للمسلمين أن يخونوا أمانة العهد في سبيل غاية مهما تكن شريفة .. إن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزا ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة،فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة .. وليس مسلما من يبرر الوسيلة بالغاية،فهذا المبدأ غريب على الحس الإسلامي والحساسية الإسلامية،لأنه لا انفصال في تكوين النفس البشرية وعالمها بين الوسائل والغايات .. إن الشط الممرع لا يغري المسلم بخوض بركة من الوحل،فإن الشط الممرع لا بد أن تلوثه الأقدام الملوثة في النهاية .. من أجل هذا كله يكره اللّه الخائنين ويكره اللّه الخيانة. «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ» .
ويجب أن نذكر أن هذه الأحكام كانت تتنزل والبشرية بجملتها لا تتطلع إلى مثل هذا الأفق المشرق. لقد كان قانون الغابة هو قانون المتحاربين حتى ذلك الزمان .. قانون القوة التي لا تتقيد بقيد متى قدرت. ويجب أن نذكر كذلك أن قانون الغابة هو الذي ظل يحكم المجتمعات الجاهلية كلها بعد ذلك إلى القرن الثامن عشر الميلادي حيث لم تكن أوربا تعرف شيئا عن المعاملات الدولية إلا ما تقتبسه في أثناء تعاملها مع العالم الإسلامي. ثم هي لم ترتفع قط حتى اللحظة إلى هذا الأفق في عالم الواقع حتى بعد ما عرفت نظريا شيئا اسمه القانون الدولي! وعلى الذين يبرهم «التقدم الفني في صناعة القانون» أن يدركوا حقيقة «الواقع» بين الإسلام والنظم المعاصرة جميعا! وفي مقابل هذه النصاعة وهذه النظافة يعد اللّه المسلمين النصر،ويهوّن عليهم أمر الكفار والكفر! «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا،إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ» ..
فتبييتهم الغدر والخيانة لن يمنحهم فرصة السبق،لأن اللّه لن يترك المسلمين وحدهم،ولن يفلت الخائنين لخيانتهم. والذين كفروا أضعف من أن يعجزوا اللّه حين يطلبهم،وأضعف من أن يعجزوا المسلمين واللّه ناصرهم.
فليطمئن أصحاب الوسائل النظيفة - متى أخلصوا النية فيها للّه - من أن يسبقهم أصحاب الوسائل الخسيسة.